Atwasat

المستقبل بين الإرادة والممكن

امحمد شعيب الأحد 23 نوفمبر 2025, 03:42 مساء
امحمد شعيب

في لحظات الإحباط والخيبات، حين يشتد وقع الانكسارات وتضيق الآفاق، يتراجع الحلم إلى الخلف وكأنه يوشك أن ينطفئ. عندها لا يجد المرء ملاذا سوى الغد، ذلك الفضاء الموعود بكل ما يناقض اللحظة الراهنة. نهرب إليه ونستدعي الحلم أن يبقى معنا، كما قال شاعرنا الشرع:

«معا أيها الحلم، احزم حقائبك وارحل معي، لقد كنت لي رفيقا في الزمن العسير، وما زلت أنت الوفي، معا نضرب اليوم عهدا بأن نبقى أوفياء حتى الأبد».

نهرب إلى المستقبل برومانسية عالية، نغني له ونستبشر بحديثه، ونقاوم كل محاولة لانتزاعنا من دفء هذا الأفق. لا نسائل تفاصيله ولا نبحث عن حقيقته، لأن السؤال ذاته يهدد صفاء الحلم ويعكر صفو الأمل. الشعر هنا يصبح وسيلة مقاومة، يتجاوز الخوف ويمنحنا فسحة من الانكسار، ولو إلى حين.

لكن الواقع، بجراحه وصدماته، يفرض السؤال الذي لا يمكن تجاهله: أي مستقبل نريد؟

الإجابة المباشرة تبدو بديهية: إنه نقيض الحاضر. غير أن هذه الإجابة، حين نتأملها، تنفتح على رؤى متباينة؛ فالبعض يرى المستقبل امتدادا لتجارب الآخرين، والبعض الآخر يستدعي الماضي ليعيد إنتاجه في صورة الغد. وهكذا يغدو المستقبل انعكاسًا لرغباتنا، تصورا ذهنيا نصوغه وفق أهوائنا، فإذا لم نجده في الواقع، وقع الانكسار وتجددت الخيبة وربما التراجع.

من هنا، يبرز السؤال الأعمق: هل يمكن أن نبحث عن المستقبل في ثنايا الواقع ذاته؟ عن المستقبل الممكن في كل مرحلة تاريخية؟ إن هذا البحث هو الأداة الوحيدة القادرة على رفع التناقض بين الإرادة وما تسمح به شروط الواقع، بين الحلم وما يتيحه الممكن.

لقد خبرنا في العقود الماضية كيف هيمنت على وعينا السياسي والثقافي تصورات مستقبلية لا وجود لها في الواقع، بل كانت محض أوهام في أذهان القادة. حلم الوحدة الأفريقية مثال صارخ: خطاب رومانسي دفع ثمنه البشر تضحيات وجهودا ضائعة، فيما ظل الواقع عصيا على الانصياع لتلك الرغبة الحالمة.

قيل عن هؤلاء القادة إنهم «سابقون لعصرهم»، لكن هذا المديح أخفى عجزهم عن تقديم أجوبة حقيقية لمجتمعاتهم، فاستعاضوا عن الفعل بخطاب شعري لا يصمد أمام مطبات الواقع.

لقد أثبتت التجارب أن اتساع الهوة بين الإرادة والممكن، بين الطموح والشرط الموضوعي، يؤدي إلى تزييف الوعي، وإلى إنتاج أيديولوجيا زائفة تتغذى على الوهم. ومن ثم، يولد الإحباط واليأس، أو تنشأ نظرة استعلائية على الواقع، كأننا نحتقره لأنه لا يطاوع أحلامنا.

إننا هنا لا نزعم تقديم أجوبة نهائية، بل ندعو إلى وقفة نقدية جادة: إعادة صياغة تفكيرنا السياسي والثقافي بحيث ينطلق من الممكن، لا من المستحيل؛ من الواقع، لا من الوهم. التفكير الإيجابي ليس أن نهرب إلى حلم بعيد، بل أن نعمل في الممكن القريب، اليوم وغدًا، لنصوغ مستقبلًا ينهض من رحم الواقع لا من خارجه.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»