Atwasat

الجهل وهيمنة الدونيات الفكرية!

سالم الهنداوي الخميس 20 نوفمبر 2025, 04:44 مساء
سالم الهنداوي

يظل «الجهل» الوصمة الرديئة الأكثر شيوعاً لنعت الأفراد والمجتمعات، وحين أصاب الجهل المنتفعين بنعمته الرائجة ووصلوا به إلى السُّلطة، بمعية الجاهلين من سواهم، أصبح الجهل الفردي لا يكاد يُرى مع حماقات المجاميع الجاهلة التي تسيّدت المجتمع «اللا إرادي» وصعدت إلى السُّلطة لتقضي جهاراً على معايير العِلم والثقافة في بناء مؤسسات الدولة المختلفة، حتى أصبح «الوعي» مع الوقت ينحسر بين فئات قليلة من المجتمع، بل ويتلاشى كلما انتشر الجهل وعاث، وقاد الجاهل المجتمع بأدوات التجهيل الكثيرة، المُتاحة!

في كل مرحلة من مراحل التاريخ التي ينحسر فيها الوعي ويتراجع فيها حضور العقل النقدي، يطل الجهل برأسه العنيد، لا بوصفه حالة فردية عابرة قد تذوب بمحلول المعرفة، بل كظاهرة اجتماعية معقدة تتغلغل في تفاصيل الحياة العامة للمجتمع، وأهمها الحياة السياسية التي صارت مملوكة بالكامل لسادة الجهل في الدولة!

لم بعُد «الجهل» بهذا المعنى وصفاً لدونية المعرفة وعدم القدرة على الاستيعاب والفهم، بل أصبح مع تردّيات الأخلاق بنياناً كبيراً مشيّداً بالمغالطات واليقينيات الزائفة، تصنعه ثقافة بيئية ضحلة لا تشجع على السؤال مهما بلغت خطورة الصمت، ولا تمنح التفكير الحر مساحة آمنة للنمو وسط الغث.. وعند هذه النقطة تحديداً تبدأ الدونيات الفكرية في الهيمنة، فتتربع على المشهد السياسي بأصوات عالية وادعاءات كبرى، بينما يغيب الفكر عن السؤال ويغيب العقل الناقد عن الحوار، وعنهما معاً تغيب الأصوات الرصينة عن معركة الوجود!

الدونية الفكرية بهذا النتاج المؤسف، ليست فكرة واحدة قد تندثر بفعل معرفي؛ بل هي نمط تفكير مغرٍ يقوم على التبسيط المخل بالقضايا الجوهرية، وتقديم الانفعال على العقل، والشعارات على الرؤيا، والاتهام على الحوار.. إنها حالة عبثية قاتلة للذات المجتمعية، يصبح فيها «الرأي السطحي» هو المرجع الأساس لبُنى الحوار، وتُعامل فيها المقولات الشعبوية بوصفها حكماً نهائياً لا يحتمل المراجعات الفكرية. وفي مثل هذا المناخ، يُقصى كل اجتهاد جاد، ويُهمَّش الباحثون، ويُستغنى عن الكتب لصالح الخطب المرتجلة، بل وينهزم العمق أمام الضجيج، ويُستبدَل التحليل بالانفعال، والعقلانية بالتعبئة العاطفية!

كُل ذلك وسواه ينشأ من فراغٍ معرفي، ومن أساس تنشئة لا تُنمّي مهارة التفكير، ومن مؤسسات ثقافية وهمية عاجزة عن أداء دورها في صناعة وعيٍ عام قادر على الفرز ودعم التمييز بين قيمة الفكرة وقيمة الصوت الذي يرفعها ويعلو بها في سماء الإبداع.. لذلك حين تغيب القيم الفكرية الرفيعة، تصبح السطحية خياراً سهلاً وسريعاً في مجتمع يكبر بلا مناعة ثقافية، خياراً بسيطاً مانحاً، يلتقطه الناس بسهولة لأنه لا يكلفهم جهداً ولا يستفز قناعاتهم الجاهزة.

إن مقاومة هيمنة الدونيّات الفكرية ليست معركة نخبوية بالأساس؛ بل هي معركة مجتمع مريض غير مدرك لأزمته وهو تائه يبحث عن مستقبله وسط عالم متلاطم، ولا سبيل أمامه للخروج من هذا المأزق الوجودي إلا بإحياء النقد، وتشجيع الحوار، وتوفير البيئة المناسبة التي تسمح بالتفكير دون خوف، وللعقول أن تتساءل وتسأل دون اتهام.. عندها فقط يمكن أن تنحسر ظلال الجهل في المجتمع، ويعود الوعي إلى مكانه الطبيعي في حياة الإنسان، كقيمة عليا تقود حركة المجتمع وتنهض به إلى المستقبل.

إن «الجهل» ليس قدراً لصناعة الغباء، والدونيّات الفكرية ليست قوة عصية لا تُقهر، إنهما نتاج ظروف تاريخية مختلفة تعصف بالمجتمعات، ويمكن قلبها بظروف أخرى مناسبة تنهض بحياة هذه المجتمعات. وبالتالي على كل مجتمع أن يختار: إما أن يبقى أسيراً لسطحية تراكم التخلف باستعمال أدوات الجهل التي تصنع الغباء، أو أن يتحرر من هيمنة هذه الدونيّات الفكرية بعقلٍ يعرف كيف يرى في الظلام، ويعرف كيف يميِّز بين حقول المعرفة، وكيف يقهر الجهل ويصنع المستقبل دون ريب.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»