في سنوات مضت، تقلصت فيها الجغرافيا وضاقت النفوس، صار المشوار الداخلي ثقيلا ومتعبا إن لم يكن محملا باحتمالات مخيفة، انحسرت الرؤية على المدى القريب وانكمش البحث عن الحب، تراخى السؤال عن الأحبة والأصدقاء والزملاء، وقد كان لهذا الانكسار أن يقدم أيديولوجيته، سيلا من الأكاذيب التي تعبر المحيط الضيق، ضجت القنوات بأصوات العدميين وساد الوجوم والخوف، انهارت آلاف الخطابات الظالمة والمظلمة تم تحريف التاريخ والتأويل المصلحي للترات، اختفى المشترك، وسط هذا الجنون والتيه يشعر المرء بالخوف، تجسد هذا الخوف أمامي لحظة أجهش رجل بالبكاء وهو في الخمسينيات من العمر عندما أخبرني بألم وحرقة أن سياراته لم تعد تجوب البلاد كما اعتادت من قبل، في هذه الأجواء بدا لي أن الصراع قد تحول من صراع عمودي ليصبح أفقيا، صار الانحدار أكثر عمقا عندما طرحت في هذا الجو الملبد أن القبيلة هي الحل، تماهى المبعوث الدولي كوبلر مع هذا الطرح واقترح في لقائي معه أن نتبنى لويا جيرغا، وهو تنظيم قبلي يشرف ويساعد الحكومة في أفغانستان، تبين أن المبعوث يحمل فكرة جاهزة وسطحية عن بلادنا بهذا الطرح، فالاختلافات كبيرة بين ليبيا وأفغانستان في هذا الأمر، في هذه الأجواء افتقدت البلاد حراكا عفويا يتجاوز هذا الحصار المناطقي، تجمدت النقابات والاتحادات وتم تسييس كل شيء وغاب كل شيء لصالح الأمة، غابت الأغاني الليبية بكلماتها وخصوصيتها، لا أعمال فنية مشتركة، لا احتفاء برموزنا الوطنية، أذكت القنوات خطابات مزيفة ولم تدرك بعد أن الفنون تغذي الروح الوطنية والهوية القلقة، قد يظن البعض أن الأمة معطى كامل ومنجز وبلغ النضج ولسنا في حاجة لذلك، الحقيقة أن الأمة صنع بشري وفي حاجة لبناة وروافد باستمرار، وأهم الروافد الفنون والثقافة، ولنتذكر لقد أسهمت العقود الماضية في إضعاف الأمة المنشودة عندما تماهى الفكر والخطاب السياسي عند الجميع مع الخارج العربي والعالمي دون تنمية الهوية والذات الليبية، أعتقد لقد آن للإسمنت الثقافي أن يعزز البنيان قبل فوات الأوان....
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات