لعلها في سنتي الثالثة بمدرسة الأمير الابتدائية عندما تحدث مدرس الفصل مع طالب مصري التحق بفصلنا عن المدرسة التي انتقل منها إلى مدرستنا، بعد وصوله متأخرا نحو شهر عن بداية دراستنا، وكان الطالب متميزا في اللغاية. في ذلك اليوم انتبهنا إلى اهتمام المدرس به وهو يسأله عن دراسته، التي لم يكن أحد منا يعرف عنها شيئا مما كان يقوله، خصوصا تلك الكلمات «الإنجليزية»، التي اكتشفنا فيما بعد أنها ليست إنجليزية، بل فرنسية. ولقد أفنى مدرس الفصل تلك الحصة بجهد في إفهامنا الفرق بين اللغة الفرنسية والإنجليزية، وبجهد كبير فهمنا أن مدارس «الليسيه» فرنسية، وهي منتشرة في غالبية مدن العالم المتحضرة، وغايتها تعليم الأطفال الفرنسيين الذين كانوا مع ذويهم في سفارات العالم الفرنسية.
وأذكر أنه أخبرنا أن عددها أقل من 200 مدرسة. كان ذلك عام 1957، أو قبله، أعترف أنني لست متأكدا تماما من العام، ولكنه بالتأكيد كان عام «عجاج سيدي المهدي!». أما الآن، وبحسب معلومات هذا «الجوجل» العجيب، فإن شبكة مدارس «الليسيه»، التي تديرها وكالة التعليم الفرنسي بالخارج (AEFE) وحدها، تشمل نحو 580 مدرسة في مختلف أنحاء العالم، موزعة في أكثر من 139 بلدًا، وتقدم التعليم الفرنسي لمئات الآلاف من الطلاب.
تأسست مدرسة الليسيه بالقاهرة عام 1911 كمدرسة تابعة للبعثة العلمانية الفرنسية، التي أُنشأت في 1902، وتأسست في الخارج بالشرق الأوسط، وتحديدا كانت تهدف هذه المدارس إلى نشر تعليم علماني باللغة الفرنسية في إطار احترام الثقافات المحلية.
وتعد «الليسيه» الفرنسية اليوم المدرسة الوحيدة في مصر التابعة إداريا ومباشرة لشبكة وكالة تعليم اللغة الفرنسية في الخارج (AEFE). وتضم المدرسة نحو 1700 طالب، 900 منهم بالحضانة والمرحلة الابتدائية (في ثلاثة مواقع)، و800 طالب بالمرحلة الثانوية (جميعهم في مدرسة بالمعادي). غير أنه بعد أن وصلت القدرة الاستيعابية الأصلية بالمعادي إلى أقصاها في 2010، تم إنشاء مدرسة جديدة في الفترة من 2011-2013 بالمرج، لاستقبال فصول المرحلة الثانوية والإعدادية. أما فصول الحضانة والابتدائي فظلت في المعادي، والموقعان الآخران يستقبلان فصول الحضانة والابتدائي بالزمالك والقاهرة الجديدة.
وعلى الرغم من أن الحربين العالميتين الأولى والثانية لم تؤثرا على وجودها في فترة ما بين هاتين الحربين، فإن أزمة قناة السويس عام 1956 هي التي تسببت في قطيعة دبلوماسية بين مصر وفرنسا، أدت إلى تأميم المدرسة بواسطة السلطات المصرية، ولكن ما إن عادت العلاقات بين البلدين في العام نفسه، حتى عاد الحال على ما هو عليه، إذ أُعيدت المدرسة إلى «AEFE»، وكذلك ليسيه الإسكندرية.
ما بينته هو في الواقع تلخيص بسيط لمدارس الليسيه في مصر، وهذا التلخيص ينسحب على مدارس الليسيه في بلدان أخرى، مثل مدرسة «ليسيه عبد القادر» في لبنان، التي لها قصص من النجاحات وصفحات التاريخ، وتخرجت فيها شخصيات عديدة لمعت في مجالات السياسة والإعلام والحقوق، وغيرها.
وتعد مدرسة «ليسيه عبد القادر» واحدة من أعرق مدارس بيروت التي أسستها البعثة العلمانية الفرنسية في مطلع القرن العشرين، وتحولت مع الوقت إلى صرح ثقافي معروف، وشهدت مقاعدها تخريج مجموعة من الشخصيات السياسية والإعلامية في لبنان، مثل النائب السابق وليد جنبلاط، والوزيرة السابقة ليلى الصلح. كذلك درس فيها رئيس الوزراء الأسبق تمام سلام، وغيرهم، بالإضافة إلى عدد من الإعلاميين، حتى اشتراها في عام 1985 رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري.
كان الهدف في بداية تأسيس هذه المدارس هو تعليم الطلبة الفرنسيين اللغة والثقافة الفرنسية، ناهيك عن نشرهما لغير الفرنسيين، وسريعا ما استقطبت طلابا غير فرنسيين، ليتشربوا الثقافة الفرنسية، تماما مثلما كانت تفعل المجالس الثقافية البريطانية! وهكذا أصبحت تعد قادة المستقبل ذوي الثقافة الفرنسية في جميع انحاء العالم، وسريعا ما انتشرت في دول العالم، بما فيها الدول العربية، بالنهج نفسه، لكن بالطبع ليس بالدقة والدراسة المنهجية، لاستقطاب قادة من غير أبناء بلادهم، بهدف الاستعانة بهم في ربط بلادهم مع ثقافات ومصالح الدول الأخرى.
و«ليسيه راضي» في إيران تعد إحدى تلك المدارس الفرنسية المنتشرة في عدد كبير من مدن العالم، ومعروف مدي تأثيرها وبقية «الليسيهات» في انتشار اللغة الفرنسية وثقافتها بين الإيرانيين.
وقد تتساءلون عن الجديد في هذا الموضوع؟ أعترف أنني مثلما أخبرتكم في مقدمة هذه المقال أنني سمعت كلمة «الليسيه» للمرة الأولى في حياتي بأواخر خمسينيات القرن الماضي في مدرسة الأمير من طالب مصري اسمه «عمرو»، وكانت أيضا المرة الأولى التي أسمع فيها اسم «عمر»، ومضاف إليه حرف «الواو»!
وما أريد قوله هو أن تخجل وأنت في مقتبل العمر من السؤال عما لا تعرفه، أفضل بكثير من أن تسأل عنه وأنت تناكف الحقبة الثامنة من سنوات عمرك المديد بعون الله!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات