Atwasat

حكاية من البر الإنجليزي

جمعة بوكليب الأربعاء 05 نوفمبر 2025, 08:24 مساء
جمعة بوكليب

تستيقظ من نومك صباحًا، في ساعة مبكرة، فتسمع من المذياع خبرًا يؤكد على أن الدنيا التي تعرفها وتعيش فيها انقلبت. تتعوذ من شر شياطين الجن والإنس معًا وما يرتكبونه من سوء وبلاوٍ. تردد في خوف، وبما يشبه الهمس: «يافتّاح ياعليم».

تكتشف أن الذي قلبَ الدنيا رأسًا على عقب، خلال ساعات نومك، ليس عاصفة أو إعصارًا طبيعيًا أخفق رجال مراقبة الطقس والإرصاد الجوي في التنبؤ بهما، ولا مطرًا أغرق البلاد وأهلك الزرع والعباد، وليس قطيع ذئاب مفترسة أو كلاب سائبة اجتاحت على حين غرّة بلدة أو قرية، أو اكتشاف مفاجئ عن وصول كائنات فضائية بقرون وأنياب إلى الأرض. أخبار الحروب من كثرتها لم تعد تثير الدهشة، وإن ظلت تثير الخوف وتنشر الهلع في النفوس.

الحروب، كما نعرف، وجبة غير مستساغة الطعم وليست سهلة المضغ أو البلع، إلا أنها أضحت أساسية، تعودنا ازدرادها على مضض يوميًا، وكأنها ضريبة ندفعها مقابل السماح لنا بالحياة. المصارف والمتاحف لم يطلها سوء، ومقار الحكومة والمؤسسات على حالها. وبيتك ما يزال كما تركته قبل النوم ليلة البارحة، ثابتًا في مكانه، والأهمُّ أنك استيقظت كالعادة من نومك من غير سوء، وفعلت ما كنت ولا زلت تفعله لدى الاستيقاظ من النوم طيلة سنوات طويلة، بأن ضغطت على زر تشغيل في جهاز مذياع قابع على «كومودينو» يجاور سريرك.

المذيعة قالت إن كل شيء حدث خلال دقائق. والعادة جرت أن كل شيء، في أغلب الأحوال، يحدث خلال دقائق. تلك الدقائق، في الحسابات، تحسب بألف سنة في عقول وقلوب الذين رمى بهم القدر في مكان الحادثة، وكانوا ضحاياها أو شهودها.

الرواية الرسمية الصادرة عن الشرطة البريطانية تقول إنه في مساء يوم السبت الماضي، غرة نوفمبر 2025، عند الساعة 18.25 بتوقيت غرينتش، غادر قطار مسافرين محطة بلدة اسمها دونكاستر في شمال انجلترا، قاصدًا محطة لندن- كنجز كروس.

رحلة قطارعادية، في يوم سبت عادي، في بلدة عادية، ينقل مسافرين يفترض أنهم عاديون. بعد نحو ساعة من المغادرة، عند الساعة 19.40 دقيقة، تلقت الأجهزة الأمنية مكالمات هاتفية قالت إنّها من مسافرين على متن نفس القطار، يبلغون عن إصابة عديد من المسافرين بجروح نتيجة قيام شخص بطعنهم بسكين وصف بأنه بحجم كبير، مما اضطر سائق القطار إلى الوقوف الاضطراري في أقرب محطة. وهناك كانت قوات الشرطة المسلحة جاهزة في الانتظار، وكذلك سيارات الأسعاف.

رواية الشرطة الرسمية تقول إنه تم إلقاء القبض على شخصين، ووصل عدد المصابين إلى 10 أشخاص، تسعة منهم في حالة حرجة جدًا. وتبين كذلك أن شرطة مكافحة الإرهاب كانت حاضرة في المحطة، للمشاركة في التحقيقات. تبين أن الجاني رجل يبلغ من العمر 32 عامًا.

الشرطة أكدت أن الحادثة لاعلاقة لها بالإرهاب، قد يرى البعض أن الأمر لا يخرج عن نطاق المألوف من حوادث الدنيا، ولا يستحق المبالغة خاصة لدى المقارنة بما يحدث من كوارث في جهات أخرى من العالم. وهو قول لا تنقصه الوجاهة والصحة. لكن لو أخذنا في الاعتبار الحالة النفسية لشخص ينهض من نومه ويكون أول خبر يسمعه يتناول مقتل وجرح أناس عاديين على متن قطار في طريقهم إلى جهاتهم المقصودة، إلى بيوتهم وعائلاتهم، فهل وقع الخبر عليه يكون عاديا؟

البعض منا قد يسارع بتعليق الحادثة المروعة على مشجب القضاء والقدر. وليلة قبرك ما تبات بره، والمكتوب على الجبين تشوفه العين، ويقلب الصفحة ويمشي في حاله، داعيًا الله ألا يريه مكروهًا مثله. لكن القضاء والقدر لا يقف حائلا بيننا وبين التفكير في المصير المحزن الذي واجهه ركاب ذلك القطار، وفي الأسباب التي تدعو شخصا إلى امتشاق سكين وطعن أناس أبرياء، لا لشيء إلا لأنه فقد توازنه النفسي، أو أصيب بجنون، أو أي سبب آخر من الأسباب التي يتعرض لها بقية البشر يوميًا.

الحادثة أنموذج لحالة موت عبثي. وعقب انتشارها عبر وسائل الإعلام سوف تجعل كل من يسمع بها، أينما كان وحل، يتردد في ركوب قطار أو حافلة أو، على الأقل، يقضي رحلته متوجسًا خائفًا أن يكون ضحية للراكب الذي يجلس في مقعد مجاور له. أي أن الآخر يصبح تهديدًا، كما يحدث في زمن انتشار الآفات والأوبئة. في النهاية، لا يبقى سوى المصير الحزين لأولئك الركاب العاديين الأبرياء الذين غادروا بيوتهم ولن يعودوا إليها. إنها حكايتنا جميعًا، حيث يبدأ كل شيء، وفي الغالب ينتهي، في بضع دقائق.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»