Atwasat

رحلة إلى الجزائر (1)

سالم الكبتي الأربعاء 05 نوفمبر 2025, 02:33 مساء
سالم الكبتي

هذه الجزائر. وصلتها في العشية ذلك اليوم الصيفي. العاصمة تلوح من الجو بيضاء وزرقاء وخضراء. وفي التاريخ ينهض الدم الأحمر القاني للشهداء. أنسام المساء رغم الحرارة. هذا مطار هواري بومدين. عالم وحده. شيء آخر. في ساحة المطار تمثال له. عباءته السوداء. يقف في شموخ. يلوح بيده للقادم والرائح. هذا هو أسمه الحركي أيام النضال البعيدة. في الأصل محمد إبراهيم بوخروبه. المولود في حساينيه غرب قالمة.. الطالب من بعد في الأزهر الذي عبر ليبيا. طرابلس ثم بنغازي. قضى فيهما أياما لم ينسها. وقطع الطريق الطويل إلى مشارف الحدود في السلوم خلال مدة فاقت أكثر من شهر. طاف بالنواجع ونال من استقبالها الطيب الكثير. كان رفيقه في الرحلة محمد الصالح شيروف. سيلتحق هواري بالثورة في مصر ويترك الدراسة. فيما يحل شيروف ببنغازي. يدرس في كلية الآداب. يتخرج في قسم اللغة العربية ضمن الدفعة الرابعة صيف 1962. بعد الاستقلال عين مديرا لإحدى المدارس الثانوية في الجزائر. في العام نفسه تمنح كلية الآداب الدكتوراة الفخرية لأحمد بن بلة.الحفل كان مهيبا يومها في مدرج رفيق. (واشراك بالزاف). تحيات وسلامات وأشواق تعبر النسائم. ليس ثمة تعقيدات تلاحظ في الاستقبال. التعريب يبدو وينهض. تفرنست الجزائر من قبل فرنسا منذ 1830. ثم تعربت. وفي الأصل كانت الهوية والإسلام والعروبة تقاوم وتتحدى الجنود الشقر. بعد تلك الأعوام أدركوا صعوبة ومراس الشعب في الجزائر. كان أقسم بالنازلات الماحقات أن لا يقر ببطن الجزائر معتد وظالم. هتف بالنشيد مفدى زكريا. لحنه المطرب والفنان المصري محمد فوزي. أطلقوا اسمه في الجزائر على معهد للموسيقى تقديرا لفنه ودوره في مساندة الثورة.

المطار كنت مررت به منذ خمسين عاما في أغسطس 1975 في طريقي إلى المغرب. كان شيئا لا يقارن برصيفه الحديث. المطار الآن هو واجهة الجزائر وبوابتها الجوية العملاقة.
واشراك. شرهبه وترحاب. ترن في أذني. يرددها الصدى. والجزائر صنوبر وسرو وتلال وعقيق ودقله.. ورجال وتاريخ. تاريخ شارك في صنعه منذ الأزل الرجال والنساء.

هذه الجزائر بتلالها تعانقك أيها القادم عبر الجو. تفتح أذرعتها وتبتسم. من قال إن البسمة في الجزائر صعبة المنال. من قال إن العبوس والتجهم صفة للأهل هناك. هذه الجزائر أيها القادم تقول واشراك بالزاف. يغمرك الترحاب والشوق في الجزائر. التلال تلوح والمباني البيضاء تبدو خلالها جميلة المحيا مثل الوجوه. تطفح بالبشرى. أضواء البيوت في الجبال قناديل حب وهناء. البحر في العاصمة يحيطها في تحنان. وبعيدا يلوح شامخا عملاقا مقام الشهيد وهناك قصص وحكايات عند التلة لا تغيب. حكايات وأساطير. إنها قصة الجزائر يا أيها القادم في هذه العشية.

الجزائر واسطة العقد وسط الطريق الساحلي الطويل الممتد من تونس في الشرق إلى المغرب في الغرب. نقطة اتصال وترابط. تلك الجزائر التي لا تخفى على أحد. الجزائر الرابطة بين المشرق والمغرب.

المطار الكبير يقع في الدار البيضاء. ضاحية هذا اسمها من ضواحي العاصمة. والأعلام ترفرف عبر الطريق. وجامع الجزائر الأعظم تشاهده يسارك. مرفق عظيم يشهد للجزائر بالحضارة العريقة والاعتزاز بالشخصية والكيان. ذلك أمر كان صعب المنال حتى يوليو 1962. وتذوب أنظارك في الطريق. لسان البحر على اليمين. كان قديما مجموعة جزائر صغيرة وسط المياه. ومن هنا أعطت الاسم هذه الجزر للجزائر الواحدة.

والساحات والميادين والجبال. وذلك من فوق فندق الأوراس. ساحة البريد المركزي. ميدان خمستي. الحدائق والجنائن. ومنذ زمن صارت هذه المباني في مواقع الجزر التي ردمت وأضحت عمارا وعمرانا. وفي الليل المنائر ترشد السفن. الرياح تهب. الشباك عند الصيادين في المرسى. العمارة الأندلسية وأقواسها البيضاء الشهيرة تطل على ميناء الجزائر. استخدمت خلاله فرنسا العمال من الأهالي وجعلتهم سخرة للشغل من أجلها وكانت تترامى أمام البصر آلاف البراميل المعبأة بالخمور للتصدير. أنابيب أيضا خاصة بمرور تلك الخمور إلى السفن مباشرة. الفرنسيون لا يشبعون من النبيذ.

المعمرون احتلوا الأرض الخصبة وطردوا الأصليين أصحابها وطبقوا لاحقا سياسة الأرض المحروقة. أضحت سوادا. المعمرون في النهاية رفضتهم الأرض وطردتهم وعادوا إلى فرنسا وبقيت الجزائر نشيدا يقسم بالنازلات الماحقات والدماء الزكيات الطاهرات. شرق وغرب وفن أصيل والثورة كانت تغلي في العروق.. في جبال الأوراس.. في البليدة. في بسكره. في القبايل. في الشلف. في التل. في عنابة وقسنطينة. وغيرها. وغيرها. الثورة في الجبال والقرى والمدن والطرق والدروب والشهداء على طريق النضال.

هذه الجزائر يا أيها القادم كانت في الماضي العريق تسمى (اكسوم). أسسها الفينقيون كما أسسوا صيدا وصور وطرابلس وصبراتة وسواها على امتداد الطريق. سكنت بعدها الجزائر قبيلة بربرية هي بنو مزغنه وفي القرن العاشر الميلادي الموافق للعام 353هجرية وضع الملك بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي مدينة أسمها جزائر بني مزغنه وكانت البداية عند القصبة العليا. والزيريون لهم علاقات عندنا وفي تونس. وفي المغرب الأوسط. دور حضاري وتاريخي تمازج وامتد وتواصل.

الجزائر يا أيها القادم تاريخ عريق طويل ينتشر ولا ينقطع. صور وأشكال ولمحات فيها الروح والنسغ. الحياة والوجود. الجزائر قطعة من التاريخ الذي تختصره هذه الممتدة تحت النظر من الجو.. بيضاء وخضراء وزرقاء وتظللها من آفاق ذلك التاريخ دماء الرجال الشهداء الذين أقسموا وعقدوا العزم على أن تحيا الجزائر.

ثم يهبط المساء. أنا أسير في شارع ديدوش مراد. بطل من أبطال الثورة وقادتها الأوائل مع رفاقه الرواد. استشهد عام 1957. البلاد ستذكر في الغالب كل هؤلاء الرجال في جميع المناطق. الشوارع والمعاهد والجامعات والمؤسسات ومحطات المترو والقطارات تحمل أسماء الشرف والعز.. مصطفى بن بولعيد. عميروش. علي بو منجل. الأمير عبد القادر. بن باديس. العربي بن مهيدي. بن يوسف بن خده. خليفة بو خالفه. حسيبة بن بو علي.. وغيرهم.

ذكريات أيام المقاومة والظروف الصعبة. والرائع على الدوام أنها تنطق وتهتف بتفاصيل الحدث والتاريخ. في المحطات لوحات وصور تحكي بطولات أولئك الرجال والنساء. عربات المترو تزينها أيضا صورهم.. تربط الأجيال بأدوارهم وحكاياتهم.

أنا الآن في قلب العاصمة. المقاهي والمكتبات والمطاعم والمحلات.. والحركة والحياة. حياة كاملة من البشر والتفاصيل اليومية. المدينة تحوي الوجوه وتحتفي بالنشاط الذي لا يهدأ سوى في آخر النهار. وكل ركن وزاوية في الشارع تنهض منه حكاية وقصة.
انا الآن في فندق أودان المطل على الشارع الكبير الطويل. الترحاب والاستقبال الجميل. الهدوء والسكينة. وبالقرب منه ساحة باسمه. تخليدا وتكريما لذكراه. الجزائر لم تنسه. موريس أودان. شاب فرنسي ولد في باجة عام 1932. درس في الجزائر وصار أستاذا في جامعتها. كان من اليسار وانضم ضمن صفوف الحزب الشيوعي الجزائري وتعاطف مع ثوار جبهة التحرير مساندة ودعما وحراكا. قبضت عليه قوات الاحتلال الفرنسي. اعتقله قومه. عذبوه. غاب ذكره وفقد منذ عام 1957. بهرته تلك الأيام الثورة. مثلما الحال مع كثيرين أبدوا من التعاطف والوقوف الكثير.. فرانز فانون وغيرهم. أفادوا من الثورة واشتهروا بواسطتها. كانت صاحبة الفضل في إبراز أدوارهم إضافة إلى جهودهم وإخلاصهم مع تاريخها ونضالها. الثورة ضد الظلم قاسم مشترك لدى الشرفاء في العالم كله. الثورة النبيلة لا تعرف الفواصل. تجمع بني الإنسان في قضية واحدة. حدث ذلك كثيرا ووقع في تاريخ الشعوب المضطهدة. تاريخ مشترك وعظيم.

الثورة في الجزائر كانت سلسلة متصلة من اللهيب والمقاومات والمواجهات والبطولات. ونحن عندنا نصيب في رابط أصيل يجمعنا. في مستغانم تطل نفحات السنوسي الكبير. ينطلق برسالته من أجل الله دون تعصب أو تزيد. يتعلم هناك وفي القرويين في فاس. وفي مكة وفي كل الأنحاء.عالم وعامل وصاحب دعوة وطريقة تحسس منها الفرنسيون. قالوا عنها: (إن طريقة محمد بن علي السنوسي هي عدونا الذي لا يمكن التصالح معه. إنها حقا تشكل خطرا يتهدد الهيمنة الفرنسية في شمال أفريقيا سواء في الجزائر أو بتونس والسنغال. فهي معادية لكل المشاريع الهادفة إما الى توسيع نفوذنا وتجارتنا مع داخل أفريقيا وإما إلى زيادة في ذلك الكم من المعلومات حول هذه القارة والخط الاستوائي.). وأقروا الخلاصة في ضرورة: (مراقبة هذه الطريقة الدينية وإعاقة تطورها في كل مكان وحيث ما كان ذلك في المستطاع). هذا الكلام يعود إلى القرن التاسع عشر. فيما ظلت الطريقة لا تنسى تعميق العمل على إحياء الدين ونصرته ضد الوجود الأجنبي الذي بدأ يحتل المنطقة. السنوسي كانت لديه نظرة مبكرة للتصدي لتلك الأطماع والمخططات. كان رجلا من نوع آخر. خط واحد قاده من مستغانم إلى الشرق.. إلى الجبل الأخضر حيث أسس أولى زواياه. وكان يعود بفكره إلى موطنه الذي عفست عليه الأقدام السوداء. انتفاضات لم يكن بعيدا عن مساندتها.. الأمير عبد القادر الجزائري وثورة الشريف بن عبد الله في تلمسان والصحراء وثورة الشريف عمار بن قديده وثورة أولاد سيدي الشيخ. الزوايا نهضت بالمساندة ورفع عقيرة الجهاد والثورة. تواصلت التربية والدعوة بتنمية نفس الروح ونفس الوعي في حركة المقاومة الوطنية الليبية.

ابن السنوسي كان له تأثيره الثوري المبكر. دين ودنيا وجهاد من أجل الله. كان يجيد التعبئة والإعداد. ولذلك ظل التوجس يحوم عند فرنسا التي تغزو الساحل والصحراء. والسنوسي ورجاله ودعوته وزواياه كانت في مجملها تخنق أطماعها بلا توقف. صورة تتجلى في صفحات التاريخ وأطيافه. الشعوب تاريخها يتوهج ولا ينطفئ.
المقاومات تتواصل. لا تتوقف. المذابح والدماء وجرائم فرنسا. العسف والتعذيب والمقاصل والصور الفظيعة. وينهض الرجال على الدوام. جمعية العلماء.. بن باديس والإبراهيمي والتبسي والورتلاني .. وغيرهم.. يحافظون على الهوية ويؤكدون العروبة والإسلام في الجزائر. تمازجا وانصهرا معا في الأرواح والقلوب. ثم تتواصل الحركات الوطنية واللجان المناضلة وصولا إلى جبهة التحرير التي أعلنت بيانها الأول في الأول من نوفمبر 1954.

ويصبح الصبح. الشمس على الجزائر. يتنفس النهار. القهوة الجزائرية الجميلة في مقهى (فيماكو) المجاور. رائحة البن والحكايات التي تعلو مع الصباح. يوم جديد يعاش في الجزائر. وأسير.. وأسير. وبالقرب من الفندق جامعة الجزائر. تأسست عام 1909. صار اسمها جامعة بن يوسف بن خده. ثاني رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة بعد فرحات عباس. صيدلي له دوره في تاريخ الجزائر التي ظلت على الدوام تراجع تاريخها وتعيد ترميم ما أنفتق منه وضاع أو طمس. هذه الجامعة العريقة أحرقتها منظمة الجيش السري الفرنسي يوم السابع من يونيو 1962. حين قرب إعلان الاستقلال نهضت هذه المنظمة الإرهابية بالقتل والترويع. فجرت وأحرقت ميناء وهران في نفس الأيام. الحريق في الجامعة ظل أياما. المكتبة احترقت بالكامل. أذكر أن ليبيا أصدرت طابعا تذكاريا عن تلك الواقعة الرهيبة وكذا معظم دول العالم تضامنا مع الجزائر الوليدة ضد إرهاب المنظمات القذرة. كانت هناك اليد الحمراء والأقدام السوداء والعملاء. قتلت الكاتب الشهير مولود فرعون وغيره. كلهم حاولوا تعويق وتعطيل الاستقلال. لكن ذلك لم يفلح. أشرقت شمس النهار في يوليو بعد الحريق بشهر وأصبح الصبح العظيم. تنفس بأمر ربه وإرادة الشعب التي من إرادته. مثلما تشرق الشمس الآن وتتوهج خيوطها على التلال وصفحات مياه البحر. إنها الشمس التي تشرق دائما على الجزائر وتمحو قاتم السواد.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»