Atwasat

مقايضة الأجساد بالجثث

سالم العوكلي الثلاثاء 04 نوفمبر 2025, 01:15 مساء
سالم العوكلي

في فيلم The Queen الذي يرصد ارتباك الملكة إليزابيث في الأيام الأولى من وفاة الأميرة ديانا، لم يُذكر عشيقها دودي الفايد الذي لقيت حتفها معه في حادث مروري في باريس، إلا في جملة واحدة قيلت على عجل، حين سألت عنه الملكة في اليوم التالي، فأجابها المساعد: المسلمون يدفنون موتاهم على عجل، ومثلما ورِي في قبره بسرعة، ورِي في أحداث الفيلم بسرعة.

حدثني أبي حين كان في معتقل البريقة عن الموتى يومياً من المرض والجوع والتعذيب، وقال كانت تأتي شاحنة نقل النفايات لتحمل كل يوم حوالي 40 جثة، ومصير هذه الجثث حدثني عنه ابن عمي شقيق أبي، إدريس السنوسي مفتاح، الذي كان عمره وقتها أربعة أو خمسة أعوام. قال: كنا أولاداً صغاراً نبكر مع طلوع الضوء إلى الجهة القبلية من الشبردق لنتفرج على الضباع والذئاب وهي تُخرج الجثث من تحت الرمال وتلتهمها، وبالنسبة للأطفال كان المشهد فرجة تتيح لهم رؤية هذه المفترسات عن كثب وكأنهم في حديقة حيوان.

نقول دائماً، إكرام الميت دفنه، وهذا ما يجعل التعجيل بالدفن محموداً في عقيدتنا، لكن القذافي الذي لم يَكفِه قتل خصومه من المعارضين السلميين، احتفظ لسنين طويلة بجثثهم في برادات حتى يمنعهم من حسنة «إكرام الميت».

ومن جانب آخر كان، وهو المتلاعب باللغة الأكبر، قد أطلق تسمية جيفة أو تجييف على مَن ينجح في اغتياله من معارضيه لينزع عنهم صفة (الإنسان) من الأساس، مثلما سَمَّى المعارضين في المنفي كلاباً ضالة لينأى بهم عن كل ما يتعلق بالإنسانية أو قوانين حقوق (الإنسان). والتلاعب باللغة والاصطلاحات مهنة فاشية أصيلة.

يذكر نجيب في مقالته «عسر الترجمة» المضمنة في مخطوطه، قيد الطبع «فيض خاطر» إن «هناك بطبيعة الحال مُكنة أن تكون اللغة نفسها مشحونة بمواقف بعينها، رجعية أو بطريركية، مبيتة في نحوها وأساليبها، بما يحول دون قدرة الكاتب عن التعبير عن رفضه لهذه المواقف. ويذهب رونالد بارت إلى حد إقرار أن اللغة ليست رجعية فحسب، تكرس ما دأب الناس عليه، بل فاشية، ترغمهم على قول ما لا يريدون قوله».

بمعنى أن اللغة التي نعتقد أن العقل من هندسها، هي التي ستسهم في تكوين هذا العقل وطرق فهمه وردود أفعاله بما هي مشحونة به من بذور أفكار لابدة في تراكيبها.

ترامب الذي تربي في سوق المال والعقارات أسير لغة ستكون عماد سياسته، حيث الصفقة في التجارة والسياسة هي بنفس المعنى، وحيث استخدامه لتعبير كلين Clean out عن فكرته لإخلاء غزة من سكانها آتية من قاموس المقاولات والعقارات، وهو كما شاحنات موسيليني التي تنقل النفايات والجثث، لا يُفرّق في هذه الحالة ما إذا كانت العوائق نفايات أو بشرا.

وكذلك نتنياهو المحاط بتوراتيين متطرفين يعمل في نفس حقل اللغة التوراتية الطقوسية التي تجعل من قتل غير اليهودي أو سرقة ماله أو هدم بيته عملاً أخلاقيا خيّراً، بل مقدساً، وكل من يقاوم هذا الشر بالنسبة له معادٍ للسامية أو إرهابي.

يتضح هذا الهراء اللغوي وما يترتب عنه من ردود فعل فيما نشهده الآن عبر تطبيق البند الأول من اتفاقية غزة، وتحديداً تسليم جثامين الأسرى الإسرائيليين، والأمر في جوهره صراع بارد بين منظومات أخلاقية ولغوية مختلفة، يتورط فيها قادة العالم، بما فيه عالمنا العربي، حيث اللغة الشائعة التي ضربت أطنابها في العقل المفكِّر بها هي التي تحدد ردود أفعالهم.

ينصب الاهتمام الدولي بما فيه العرب والأطراف الفلسطينية على مصير 28 جثة من الأسرى الصهاينة الذين قتلهم القصف الإسرائيلي وردمهم تحت الركام، ولا يُعار اهتمام لعشرات الألوف من جثث الفلسطينيين الذين قتلهم القصف الإسرائيلي وما زالت تحت الركام، وهنا العنصرية الجذرية، في وعيها أو لا وعيها، لا تصيب الأحياء فقط، لكنها لعنة تلاحق حتى جثثهم.

واللافت أن معظم قنواتنا العربية التي تغطي كارثة الحرب على غزة، تتجرع سم هذا التمييز كأنه تحصيل حاصل، وتدخل في هذا الجدل السخيف بين جثة وجثة بناء على عرقها أو دينها؟ فهل يرجع السبب لخلفيات ثقافية ولغوية؟ بمعنى هل مفهوم الجثة في لغتنا مختلف عن مفهومها في لغات أخرى؟ في اللغة الإنجليزية تطلق نفس المفردة على الجسم حياً أو ميتاً (Body).

أما في العبرية «גוף» (جُوف) تعني جسد، وتعني جثة في الوقت نفسه (وربما مفردة جيفة في لغتنا الفصحى والعامية جاءت من مفردة جوف أو العكس فلست ضليعاً في علم اللغة المقارن، وجيفة نطلقها على جثة البهيمة ولا أعرف ما يكمن وراء هذا التشابه بين التسميتين مع اختلاف المعنى، لكن تحدر اللغتين من الأصل السامي جعل بينهما مشتركات كثيرة في المفردات مع تحول صوتي في النطق.

من جانب آخر تجعل الإنجليزية مفردتين مختلفتين للحم تفرقان بين اللحم البشري ولحم الحيوان meat، flesh، وقرأت مرة لعالم لغوي أميركي لا يحضرني اسمه، يكتب أنه لا يحترم اللغة التي لا تفرق بين اللحم البشري واللحم الحيواني، وأنا شخصياً أحترم اللغة التي لا تفرق بين كل المحتوى الحيوي لهذه الأرض، غير أن التفريق في اللغة قد يقود إلى التفريق في اتخاذ المواقف من المسميات.

في كتابه «فتح أميركا» يركز تزيفيتان تودوروف على أهمية حلِّ مفردة فتح بدل اكتشاف، لأن الأرض الأميركية فُتحت ولم تكتشف باعتبارها مكتشفة من قرون طويلة وتقيم فيها حضارات تمت إبادتها بمفهوم Clean out.

وبالمِثل استخدم الغزاة مصطلح (استعمار) بديلاً للغزو كي تخفف اللغة من الوحشية التي تصاحب هذا الغزو بوضعه في سياق إيجابي يتعلق بالإعمار أو التعمير، ولتحل مكان مفردة الاحتلال المؤثمة، مثلما تستخدم تسميات استيطان ومستوطنين الآن في فلسطين المحتلة بدل احتلال ومحتلين.

وما عاد أحد يعود إلى جذر المشكلة الفلسطينية التي هي صراع بين احتلال ومقاومة، لأن المقاومة أيضا وضعت تحت اسم الإرهاب، أو اللاسامية.

والمشكلة أنه من وراء هذا التلاعب اللغوي سُنت قوانين تحمي الجلاد من الضحية، والغازي من المقاوم. وفوق ذلك توقَّع اتفاقية دولية لما يسمى السلام عبر القوة، تحدق باهتمام في 28 جثة إسرائيلية، وتعمى عن عشرات الألوف من جثث المدنيين والأطفال المردومة تحت الركام خلال عامين من الغزو.

والمفارق في هذا كله، أن الأسرى الصهاينة أُسِروا أثناء وجودهم على أرضٍ ليست أرضهم حتى وفق قرار التقسيم وما تبعه من قرارات أممية، بينما (الرهائن الفلسطينيون) الذين يسمونهم معتقلين، في سياق التشويش على الحقائق عبر اللغة، خُطِفوا من بيوتهم وهم على أرضهم.

لا يقف الأمر في غزة عند الاختلال اللغوي ولكن يصل إلى مقايضة حسابية تستبدل جثة ميت واحد بمئات الأحياء، وكل ما زاد الرقم اعتبرناه انتصاراً، فهل نحن أنفسنا نضمر في داخلنا هذا التمييز الذي يعتمد عليه ساسة العالم في صنع مواقفهم؟! أم أن اللغة المشحونة ــ كما قال بارت ــ ترغمنا على قول ما لا نريد قوله.

تعود جثة الإسرائيلي التي قتلها قصف الإسرائيلي، لكن بيت صاحب الجثة وعائلته وجيرانه وشوارعه وحتى المقبرة التي يدفن قائمة، بينما يعود الأسير الفلسطيني الحي (كأنه جثة من أثر التعذيب) فلا يجد بيته ولا عائلته ولا أصدقاءه ولا جيرانه ولا شارعه ولا مقبرة أجداده، فحتى مقابر غزة جرفتها آلات شركة كاتربيلر الأميركية المشاركة بقوة في الغزو، وأخرجت عظامها.

كل هذه المفارقات تعكس مدى الظلم الذي حاق بهذا الشعب أمام صمت معظم العالم الرسمي أو ردود فعله الخجولة، وتشي بأن مفردات مثل الحق والعدالة والإنصاف لا تمثيل لها في الواقع، وكل ما يحدث على الأرض تمليه رطانة القوة وعقيدة التفوق العسكري التي لها قاموسها اللغوي الخاص، ولا تعير اهتماماً للأخلاق ولا للقوانين والاتفاقيات المكتوبة بلغة حالمة، وهذا ما يجعل ترامب يهدد كل مرة أهل غزة الجياع في جحيمهم بجحيم لا يتخيلونه، أو يروِّج لأطروحته الفاشية عن تحقيق السلام عبر القوة.

ولا ملهم له في التاريخ سوى ضرب هيروشيما ونجازاكي بالقنبلة الذرية، وهو إلهام خاطئ لأن السلام جاء حقيقةً من توازن الرعب حين تحصل المعسكر المضاد على أسرار تصنيع القنبلة، ولولا هذا التسريب لاستخدم الأمريكان القنبلة الذرية في كل حروبهم في فيتنام ولاوس وكوريا وكوبا وأفغانستان والعراق وغيرها، ولأصبح لدينا عشرات الهيروشيمات.

وحقيقة ما يجعل الكيان المتوحش مطلوق اليد والرِّجل في المنطقة هو غياب هذا التوازن، لأن ساسة ما يسمى الوطن العربي كانوا مشغولين بمشاكلهم الداخلية عن تقوية جيوش بإمكانها أن تحقق هذا النوع من التوازن الضروري ــ للأسف ــ لأي فكرة عن السلام العادل.

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»