Atwasat

طوبى لمن يمدون الجسور

امحمد شعيب الأربعاء 15 أكتوبر 2025, 01:13 مساء
امحمد شعيب

أدرجت ذات يوم «طوبى لمن يمد الجسور»، لكن الجسور هنا ليست بدلالاتها المادية، بل تلك التي تُقام من صدق النية ونبل الفكرة بين القلوب المتباعدة والعقول المتباينة. في اللحظات التاريخية الحرجة، يصبح الجسر الذي يقوم على الاعتراف بالآخر والمصافحة المتبادلة طوق نجاة للأوطان، حيث تنكسر العزلة وتلتئم الفجوات التي أحدثها الخلاف وسوء الظن في اللحظات التي يضطرب فيها العالم، ويتقدم فيها منطق القوة على منطق الحكمة، ويصبح مد الجسر فعل مقاومة حضارية، ورهانًا على إنسانية تتجاوز الاصطفاف والضغائن. فحين تتكاثر المتاريس، لا يكون الانتصار في بناء جدار أعلى، بل في إيجاد معبر واحد للعبور نحو التفاهم.

لقد بتنا نعيش زمنًا يعود فيه التاريخ من بوابة الجغرافيا السياسية. ففي عام 2014، قرأت في مجلة «السياسة الدولية» ملحقا بعنوان «عودة الجغرافيا السياسية»، حذر فيه كاتب أمريكي من عودة روسيا وصعود الصين، معتبرًا أن تلك الموجة الجديدة تُسقط وهم «نهاية التاريخ»، الذي بشر به الغرب ذات يوم، وأن هزيمة السياسة لا تعني هزيمة أمة.

كان ذلك آنذاك تحليلا بعيدا عنا، لكنه اليوم واقع يفرض نفسه بحدة: خرائط يُعاد رسمها، ثروات يُعاد تقاسمها، ونفوذ يُعاد ترتيبه في سباق لا يرحم بين القوى الكبرى. إنها ليست أطروحة أكاديمية هذه المرة، بل صراع يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للأمم. والجغرافيا، التي كانت تدرّس في الكتب، عادت لتفرض نفسها في القرارات والموانئ والحدود.

وفي خضم هذا المدّ الدولي العنيف، تقف بلادنا أمام مفترق دقيق يشبه ما عاشته قبيل الاستقلال، حين تنافست القوى المنتصرة على تركة الاستعمار الإيطالي، كما يروي أدريان بيلت في مذكراته. كما أنه حذر من أن أي نزاعات محلية أو تغير في ميزان القوي في البحر المتوسط يهدد استقلال البلاد، الصفحة 110 - الجزء الأول، لكنه أيضًا يذكرنا بأن القادة الوطنيين، على اختلافهم وصراعاتهم، قدموا تنازلات شجاعة من أجل المصلحة العليا. اختاروا الممكن والمعجل، وتقدّموا بخطوات وئيدة، لكنها أنقذت الكيان. تلك اللحظة التاريخية كانت درسا بليغا في فن السياسة الرشيدة: أن التنازل الواعي لا يعني الهزيمة، بل قد يكون العبور الآمن بين هاويتين.

ومن هنا، ينهض السؤال الذي لا يمكن الالتفاف حوله: كيف نواجه اليوم هذا الطوفان الجديد للجغرافيا السياسية؟ الجواب يبدأ بوعي جماعي يدرك خطر ما يمكن تسميته «التقسيم الصامت»، ذلك التآكل البطيء الذي يتسلل تحت لافتات وتبريرات متعددة، حتى يصبح واقعًا لا يمكن التراجع عنه.

أذكر أن المبعوث الدولى اتصل بي من عاصمة عربية، ناقلا إصرار رئيس مجلس النواب على إعادة تشكيل المجلس الرئاسي، ليضم عضوين ووزيرًا مفوضًا لكل إقليم. وعلى الرغم من أني رأيت في ذلك بذرة فيدرالية مشوهة، فإن خيار الرفض كان يعني انهيار الحوار. فقبلنا بالممكن لنمنع الانهيار، لكن التجربة تركت سؤالًا مفتوحًا: كم من الحلول المؤقتة نتآلف معها وتتحول في غفلة إلى حقائق دائمة؟

إننا بحاجة إلى يقظة وطنية جديدة، تكسر طوق الغفلة والإنهاك، وتعيد تعريف الوطنية الشاملة بوصفها فعل التقاء، لا معركة كسر إرادات. الوطن لا يُبنى بالإقصاء ولا بالعناد، بل بالشراكة، بالمصافحة، وبالإيمان أن الاختلاف ليس خصومة، وأن الحفاظ على الكيان أولى من انتصار الذات.

مد الجسور اليوم ليس ترفا دبلوماسيا، بل ضرورة وجودية. هو إعلان أن المستقبل يُصنع بالعقول المتزنة لا بالغضب، وبالتسويات التي تبقي الكيان حيا لا بالشعارات التي تحرقه، فالتاريخ لا يذكر من غلب خصمه، بل من أنقذ وطنه من الغرق.

إن التنازلات التي تُبقي على وحدة الوطن ليست خسائر، بل هي قمم الحكمة السياسية. والعمل الوطني مهما بدا مثقلا بالإكراهات هو الهضبة الوحيدة التي تقي البلاد من الفيضان الذي نسمع هديره في الأفق. والجسور، في النهاية، لا تُبنى بالكلام، بل بالصدق، وبإرادة ترى في الوطن غاية لا وسيلة، وفي التسامح قوة لا ضعفا، وفي التعدد ثراء لا تهديدًا.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»