النقود، لم تنزل من السماء، بل جاءت كفكرة ناتجة عن حاجة بشرية لتنظيم تبادل الخدمات بين الناس. والفكرة هي نتاج العقل البشري، والعقل هو رأس المال الحقيقي الذي يسبق كل ثروة ويصنعها. فإذا كنّا حريصين فعلاً على مستقبل الأجيال، فعلينا أن نحافظ على عقولهم قبل أن نحافظ على أرصدتهم، وأن نعلمهم حبك الواقع بدل الخوف من المستقبل، وتقديس الحرية الفكرية بدل التبعية، لأن الأمم لا تنهض بورقة نقدية بل بفكرة حرة.
في ليبيا، ومع تشكّل مرحلة جديدة تتّسم بسباقٍ محموم نحو مشاريع الإعمار، بدأنا نلمح ملامح وعيٍ جديد يتكوّن في الظلّ. وجوهٌ شابة تحمل أفكارًا ومشاريع تعبر عنهم. شباب استطاعوا أن يحوّلوا الفوضى إلى فرصة، وأن يقدّموا أنفسهم كشركاء في البناء، لا كضحايا دائمين للظروف.
هم مجموعات صغيرة، ومحملون بهمِّ المستقبل، لكنهم متوصلون إلى إدراكٍ متنامٍ بأنّ الفرصة لا تُنتظر، بل تُصنع، وأنّ العقل المنتج هو الطريق الوحيد للنجاة من بؤرة المعاناة. فبينما يستهلك البعض طاقته في الشكوى، هؤلاء يبتكرون، يجربون، يخطئون ويتعلمون، لأنهم فهموا أن البناء لا يبدأ من السلطة بل من الفكرة.
لكن في المقابل، وبينما يتحرك هؤلاء بخفة نحو المستقبل، يستمر الواقع المالي في خنق الجميع.
يتلاعب السوق بسعر الدينار أمام الدولار، وتُسحب فئات من التداول دون إنذار، وتُختنق السيولة داخل المصارف، فيتحول المال إلى أسى يومي يعيش معه الناس بين شحّ الأوراق وتقلّب الأسعار.
صار المال وهمًا جديدًا، والاقتصاد ساحة صراع سياسي أكثر من كونه توازنًا إنتاجيًا. فبدل أن تكون السوق انعكاسًا للعقل المنتج، أصبحت انعكاسًا لصراع النفوذ، وبدل أن تُحفَّز العقول على الابتكار، تُحبَس خلف أسوار من القلق.
وبين الشدّ والجذب في السياسات المالية، تتآكل الثقة العامة، ويصبح المواطن متفرّجًا. لم يعد يفهم إن كانت الأزمة في الورقة النقدية، أم في طريقة تفكير من يتحكّم بها. وكلما اشتدّ الخوف من الغد، ضاق الأفق أمام الإبداع، لأن العقول المذعورة لا تُنتج.
من هنا، تبدأ المعادلة الحقيقية، إعادة تعريف المال في عقول الناس.
المال ليس غاية، بل وسيلة تُدار بالعقل. والأمم التي انتقلت من الفقر إلى الازدهار لم تفعل ذلك عبر الدعم الخارجي أو المنح، بل عبر الاستثمار في الفكرة والعقل والتعليم.
المرحلة فرصة لتتعلم الأجيال كيف تُنتج وتبتكر وتستثمر في أفكارها، لا في ورقةٍ تُسحب من السوق عند أول أزمة.
الانفجار الحالي فرصة للبدء ويجب ألا يكون مربوطا بنهاية، يجب أن يأخذ المسار طريقه نحو تعزيز الاستثمارات الحقيقية، في العقول والمهارات البشرية، كي تبقى.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات