في يوم 9 نوفمبر 1989 سقط جدار برلين الذي كان يفصل بين شطري ألمانيا. كان حدثاً تاريخياً بالمعنى الحرفي للكلمة. ولا زلت أتذكر مشاهد سقوطه ذلك اليوم منقولة مباشرة على القنوات التلفزية البريطانية.
في يوم 13 أغسطس العام 1961 بدأت سلطات ألمانيا الشرقية في وضع أسلاك شائكة على الحدود، ثم تبيّن أنها لا تحول بين المواطنين والهروب إلى الجزء الغربي، لذلك سرعان ما بدأت في تشييد جدار من الطوب والإسمنت والأسلاك الشائكة ومطوق بالحرس.
عقب اختفاء الجدار في العام 1989، وبعد 41 عاماً من الانقسام، وتحديداً يوم 3 أكتوبر 1990 توحّد الشطران، وعادت ألمانيا دولة واحدة، واختفت من الوجود الجمهورية الألمانية الديمقراطية التي كانت تعرف باسم ألمانيا الشرقية. وعادت برلين لتكون كما كانت قبل الانفصال عاصمة لألمانيا. المستشار الألماني الأسبق ويلي براندت عقب على ذلك بقوله: «ما ينتمي معا سينمو معاً مرة أخرى». براندت كان متفائلاً، لأن النمو معاً المأمول لم يتحقق.
يوم الجمعة الماضي الموافق 3 أكتوبر 2025 حلّت الذكرى الخامسة والثلاثون على توحيد ألمانيا. أي أن قرابة جيلين من الألمان ولدوا وكبروا من دون المرور بمرحلة التقسيم. اختفاء جدار برلين الفاصل بين الجزئين أدى إلى ظهور جدار جديد ليس من طوب وإسمنت وأسلاك شائكة وحرس، بل جدار غير مرئي من الفوارق الاقتصادية والاجتماعية.
الوحدة الألمانية في العام 1990 ولدتْ غير متماثلة اقتصادياً. الغرب الرأسمالي الغني والشرق الاشتراكي الفقير. ورغم الجهود المبذولة من الحكومات الاتحادية المتعاقبة ظل الحال على ما هو عليه. الأمر الذي يذكرنا بمقولة قديمة تؤكد على أن «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام».
خلال الأيام الماضية تابعت بفضول ما نشِر من تقارير عن الذكرى الخامسة والثلاثين للوحدة الألمانية في الصحف البريطانية، ومن خلالها اتضح لي حجم الهوة الفاصلة بين الشطرين، وأنها ليست اقتصادية فقط، بل تمتد لتشمل حتى طرائق التفكير. ذلك أن أربعين عاماً من العيش تحت نظام شمولي مغلق تركت آثارها في النفوس، وفي طرائق التفكير بين سكان الجزء الشرقي. يضاف إلى ذلك معاناة سكان الجزء الشرقي بعد الوحدة من الأوضاع الاقتصادية الصعبة نتيجة ارتفاع البطالة. وما حدث هو أن المصانع والمؤسسات التي كانت تدار من قبل الدولة تعرضت بعد الوحدة للتفكيك والبيع للقطاع الخاص وأدى ذلك بالشركات إلى التخلص من العمال والموظفين.
الإحصائيات تؤكد أنه في الفترة ما بين العام 1990 والعام 1994 47% من الأطفال تعرضوا لفقدان أحد الوالدين أو كليهما وظيفته. وأن البطالة في الجزء الشرقي وصلت إلى 19% في العام 1997.
آخر الإحصائيات الرسمية تقول إن أصحاب المداخيل العالية في الجزء الغربي ضعف نظرائهم في الجزء الشرقي. وأن الأجور في الجزء الغربي أعلى بنسبة 30% منها في الجزء الشرقي. وأن 9 من كل 10 مناصب نخبوية يشغلها أشخاص من الغرب. وأن 4% فقط من كبار رجال الأعمال ولدوا في الجزء الشرقي. و8% فقط ممن ولدوا في الجزء الشرقي يشغلون مناصب كبيرة في وسائل الإعلام. و2% فقط يتولون القضاء، آخذين في الاعتبار أن نسبة عدد سكان الجزء الشرقي تصل إلى 20% من مجموع عدد السكان.
تلك الهوة الاقتصادية كانت الأساس الذي قام عليه الجدار الجديد بين الشطرين، وازداد علوا في مستوى التعامل الاجتماعي، إذ ظل السكان في الجزء الغربي ينظرون نظرة دونية لسكان الشرق. العديدون ممن تركوا الجزء الشرقي وانتقلوا إلى الجزء الغربي برغبة تحسين أحوالهم المعيشية، تعرضوا للتهميش اجتماعياً، وعوملوا بدونية.
ولذلك السبب، وجدت الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة وخاصة حزب ألمانيا البديل بيئة مناسبة لها في الجزء الشرقي من ألمانيا، وتمكنت من الانتشار والتمدد وتجنيد الكوادر. ويستعد الحزب حالياً للانقضاض والاستحواذ على مقاطعة ساكسوني في الانتخابات المقبلة قريباً، حيث يتصدر استطلاعات الرأي العام.
خلال ثلاثة عقود ونصف من الوحدة الألمانية، نشأ انقسام ثقافي وسياسي يهدد بتقويض مفهوم الوحدة ذاته. والمعركة الحقيقية في ألمانيا لم تعد ضد الطوب والإسمنت، بل ضد الهوّة المستمرة بين الشرق والغرب والتي تتجسد اليوم في صعود التيارات المتطرفة التي تستغل هذا الشرخ الاجتماعي. بمعنى أن توحيد الاقتصاد يستوجب قبله توحيد النفوس لضمان أن يكون مصير الأجيال القادمة كما قال ويلي براندت هو النمو معاً وليس العيش المشترك على جانبي جدار جديد.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات