بعد إعلان ترامب تكليف توني بلير رئيس الحكومة البريطانية الأسبق حاكما على غزة وهو الخبر الذي أثار استغراب الأوساط السياسية والإعلامية والمهتمة بالقضية الفلسطينية في العالم، لأنه مشروع غير مقنع سياسيا أولا، ولا يمكن تحقيقه في ظل ظروف ومتغيرات المنطقة والصراع الملتهب فيها منذ السابع من أكتوبر الماضي ثانيا، والفلسطينيون جميعا باختلاف مشاربهم وتوجهاتهم السياسية لا يقبلون بوجود بلير على رأس سلطة سياسية تحكم غزة ثالثا - لأنهم يعرفون بلير جيدا وتاريخه السيئ في العراق، ولا يزال في ذاكرتهم وعد بلفور الذي كان خلفه وزير الخارجية البريطاني بلفور والذي كان تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين.
لقد هز السابع من أكتوبر إسرائيل وأفقدها صوابها السياسي والعسكري وجعل قادتها يشعرون بالهزيمة القاسية من قبل حركة حماس التي لا تملك مدرعات ولا سلاحا نوويا ولا ترسانة سلاح جوى، وكتبت عنها يديعوت أحرنوت بأنها ضربة موجعة للكيان الصهيوني، وهو ما جعلها ترتكب جرائم حرب مروعة في غزة - حيث اعتبر الحماسيون بلير شقيق الشيطان، حين ترأس اللجنة الرباعية من قبل مجلس الأمن، وأنه أسهم في تدمير العراق في السابق بإخفائه حقيقة الوضع في العراق - وعندما أعلنت لجنة تقصي الحقائق التي شكلها البرلمان الإنجليزي لهذا الغرض، والتي عملت سبع سنوات على هذا الملف.
وانتهى التقرير بأن: بلير خدع الشعب البريطاني حينما بالغ في حجم القوة النووية للعراق أي أنه كان يكذب على الأمم المتحدة وبلاده معا، واعتبر التقرير أن بلير أسهم في صعود الجماعات المتطرفة في العراق كـ«داعش» والنصرة وتنظيم القاعدة ولم يحقق نتائج إيجابية لمهمته السياسية. ولأنه فشل فشلا ذريعا في اللجنة الرباعية «2007-2015» وهي اللجنة التي كانت مهمتها تحقيق السلام وبناء المؤسسات الفلسطينية حيث وجهت له فيها انتقادات حادة من مؤسسات دولية وصحف بريطانية وفرنسية بسبب تحيزه لإسرائيل وعدم كفاءته، وانعدام كفاءته كمفاوض دولي، ولهذا لا يمكن له النجاح في أي مهمة دولية في غزة أو غيرها. لقد اعتبره الفلسطينيون نذير شؤم أيضا، وأن الوضع الحالي في غزة صعب جدا ولا يمكن لتوني بلير أن يفعل شيئا يذكر لأن حجم الكارثة كبير. وحجم الوضع السياسي أكبر بكثير.
والقضية تشعبت إقليميا ودوليا وأخذت منعطفا خطيرا في المنطقة والشرق الأوسط عموما - مجيء توني بلير لهذه المهمة قد يخلط الأوراق في مسار التفاوض بين الأميركيين كوسيط وحماس التي تعتبر الرقم الصلب في التفاوض حاليا لا تثق في توني بلير كمسؤول دولي من قبل مجلس الأمن، وتخشى أن يقدمها قربانا للصهاينة وتضيع من المعادلة السياسية القائمة في التفاوض الذى يجري في قطر أو مع الإدارة الأميركية للوصول بحل سياسي يرضي الأطراف كافة، وهناك من يعتبر ما يجري هو تكليف لبلير عراقي جديد في غزة التي ستكون منطقة خضراء كبرى تمارس فيها المؤامرات على الشعب الفلسطيني. ووسط هذا الاحتقان والتشاؤم السائد يدفع الشعب الفلسطيني ثمن المراهقة الترامبية التي وضعت مدماكا ملوثا بدم ضحايا أكبر مجازر التاريخ المعاصر في فلسطين في منتصف طريق التفاوض.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات