المقالة الثانية التي كتبتها عن صديقي نجيب الحصادي بعد سفره إلى الأبدية، كانت بعنوان «نجيب الحصادي وتوطين التفكير الناقد» لأن أفضل تكريم أو تأبين للمشتغل في حقل المعرفة والفكر هو مواصلة مشروعه، خصوصاً إذا كان هذا المشروع جوهرياً ويصب في صميم التنمية البشرية النوعية، وكل ما يتعلق بالوطن وبالمستقبل. والجميل أن أجد هذه الرغبة الملحة لدى كل من عملوا مع/ أو أحاطوا بنجيب الحصادي واعتقدوا في أهمية مشروعه والذين فكروا بشكل عملي في إنشاء مركز نجيب الحصادي للتفكير الناقد.
وفرحت أيما فرح بوصول دعوة لي لحضور اجتماع اللجنة الإدارية لهذه المؤسسة التي تبنتها كاملةً الجامعة الليبية الدولية كأول جامعة ليبية تعتمد تدريس مادة التفكير الناقد لطلابها والتي تثابر برؤية القائمين عليها على التواشج مع محيطها الاجتماعي، وإتاحة إمكاناتها وقاعاتها وكل إمكاناتها المعرفية واللوجستية للأنشطة العلمية والفكرية والثقافية، وغيرها مما يخدم المجتمع وتطلعاته.
بتاريخ السادس والعشرين من شهر أغسطس 2025 صدر قرار الجامعة الليبية الدولية رقم 62 بشأن إنشاء مركز نجيب الحصادي للتفكير الناقد، وأعقبه بتاريخ الثاني من سبتمبر قرار رقم 64 بشأن تكليف الدكتور زاهي المغيربي بمهام مدير إدارته، ثم بتاريخ العاشر من سبتمبر صدر قرار رقم 68 لسنة 2025 بشأن تشكيل مجلس الإدارة. مع تحديد مهام هذا المركز المتمثلة في ما يلي:
1ـ إقرار الرؤى والرسالة والخطة الاستراتيجية متعددة السنوات، وترجمتها إلى أولويات سنوية (التفكير الناقد في التعليم، نشر أعمال الحصادي، الجائزة).
2 ـ اعتماد السياسات العامة (التعليم والتدريب، النشر والتأليف، الجائزة، الشراكات).
3ـ تحديد مؤشرات الأداء الرئيسية KPLS ومتابعتها ربع سنوياً وسنوياً.
4 ـ اعتماد الإطار المرجعي لتدريس التفكير الناقد في المؤسسات التعليمية ومعايير تصميم البرامج والمقررات التدريبية.
5ـ الإشراف على خطة الندوات والمؤتمرات العلمية سنوياً حول موضوعات اهتم بها نجيب الحصادي.
6ـ إقرار خطة النشر لأعمال الحصادي غير المنشورة، وإعادة النشر لأعماله المحورية وتشكيل هيئة تحرير علمية.
7ـ إقرار الموازنة السنوية.
8ـ إقرار لائحة الجائزة (الأهداف، الفئات، الشروط، معايير التحكيم، الجدول الزمني).
9 ـ تعيين لجنة تحكيم مستقلة وسياسة تضارب المصالح وإعلان النتائج وآليات التظلم.
10ـ بناء شراكات مع الجامعات والمراكز والهيئات الثقافية والتربوية داخل ليبيا وخارجها.
11ـ التنسيق مع فعاليات الجامعة ومنصاتها (مثل الملتقى السنوي لأعضاء هيئة التدريس) لعرض برامج المركز والتكامل معها.
12ـ إعداد تقارير تقدم ربع سنويا وتقرير سنوي معلن للجمهور.
أما عن رؤية وأهداف ووسائل هذا المركز، تدبج الجامعة الدولية ــ بعد حوارات مع المختصين والمتابعين لمشروع نجيب الحصادي ــ هذه الورقة التي تعتبر هذا المركز، «كما يدل عليه اسمه، معنياً بالحفاظ على الإرث الفكري والأكاديمي للمفكر نجيب الحصادي ونشره، واستلهام قيمه ومرتكزاته، وفي مقدمتها التفكير الناقد. ويهدف المركز إلى جعل الخطاب العلمي والأكاديمي أساسياً في الحياة الاجتماعية والثقافية ويشيع فيها، عوضاً عن بقائه متحصناً بعصمته الأكاديمية.
هذا، فضلاً عن ترسيخ الوعي الثقافي والعلمي بوصفهما طاقة تنموية فاعلة، حيث تتضافر الثقافة والعلم في تشكيل البيئة المناسبة لتحقيق التنمية الشاملة، وذلك عبر استثمار القدرات الابتكارية (العلمية) والإبداعية (الثقافية)، وتهيئة فضاء اجتماعي يقوم على الحوار والتسامح.
وتستلزم (الرؤية) وفق منطلقها: «الثقافة مدخل للتنمية»، تناول الثقافة بمعالجة علمية واعية، والاهتمام بالرساميل المعرفية والقدرات الإبداعية، وتطوير الأداء التعليمي والخطاب الثقافي. بينما تتمثل الأهداف في: تطوير خطاب ثقافي منفتح ومتنوع يرسخ قيم الاختلاف والتسامح. توطين العلم في الثقافة السائدة، وتوسُّلُ مناهجه في معالجة مشاكل المجتمع. غرس روح التفكير الناقد وتهيئة المناخ لعقول أقدر على الحوار والابتكار. تنويع مهارات مخرجات التعليم بحيث تسهم في رفد الحركة الثقافية.
أما الوسائل المقترحة للشروع في الطريق نحو الأهداف، فتتمثل في: «تشجيع تدريس مادة التفكير الناقد في مختلف المراحل التعليمية، بما يعزز مهارات التحليل، والتعبير الواضح والدقيق عن الأفكار، ومهارة تعريف الألفاظ وصياغة الحجج. إعداد الكوادر القادرة على تدريس التفكير الناقد.
إقامة الندوات والمؤتمرات العلمية حول القضايا والمواضيع التي كانت محور اهتمام وكتابات نجيب الحصادي. استحداث جائزة دورية للإنجاز المعرفي باسم نجيب الحصادي. نشر الإنتاج الفكري والأكاديمي للحصادي الذي لم يتسنَ نشره، وإعادة نشر بعض أعماله المحورية». والحديث عن الثقافة في كل ما سبق يعني الثقافة بمفهومها الواسع والشائع بين شرائح المجتمع وليس مفهومها النخبوي فقط.
يوم الخميس الموافق 18 سبتمبر 2025 وعلى تمام الساعة العاشرة صباحاً، انعقد الاجتماع الأول للجنة الإدارية للمركز، وتضمن كلمة الافتتاح والترحيب للدكتور محمد سعد مبارك، رئيس الجامعة الدولية، وخلال نقاش ثري حول هذه البادرة وأنجع الطرق لتأسيسها واستمراريتها، تم تحديد مواعيد اجتماعات مجلس الإدارة، ومناقشة ما سبق ذكره فيما يتعلق بالرؤية والأهداف والوسائل، ومناقشة الهيكل التنظيمي وتعيين مدير تنفيذي، حيث اتفق جميع الحاضرين على تعيين د. هالة الأطرش مديرةً تنفيذية، لما تتمتع به من روح عملية منظمة، وقربٍ من مشروع الحصادي الذي عملت معه في كثير من الاستحقاقات الوطنية.
كما ناقش المجتمعون برنامج الأنشطة المقترحة خلال السنة الأولى التأسيسية، ومن ضمنها إنشاء موقع إلكتروني ومنصات تواصل اجتماعي. تنظيم ندوة افتتاحية حول إرث نجيب الحصادي. إطلاق أنشطة تعريفية، ووزِّعت هذه المهام بين الأعضاء الحاضرين، كل في مجال اختصاصه وما يتقنه، للمتابعة والشروع في التخطيط والتنفيذ. وطبعا يشمل/ بل اقتُرِح عديد الأسماء المهتمة بالفكر والفلسفة وبإرث الحصادي ليكونوا في عقل هذا المركز وقلبه.
تكرر الحديث عن إرث نجيب أو اهتماماته، وهي متعددة وواسعة، لأنه مثّلَ نموذجي للمثقف المنتج معرفياً والمثقف العضوي عبر انهماكه مع مجموعة من المثقفين والباحثين في مشاريع وطنية عدة، بدأت منذ مشاركته في مشروع «ليبيا 2025 رؤية استشرافية» كرئيس لقطاع العلوم والثقافة، ومشاركته في برامج المسح الشامل للقيم السائدة في المجتمع الليبي بالتعاون مع مؤسسات دولية محترفة، وكتابته دراسات تحليلية عن نتائجها وأثرها في الرؤى المستقبلية للبلد، إضافة إلى عمله المركزي في مشروع «دور القانون في المصالحة»، ومشروع «تيسُّر العدالة» بمركز دراسات القانون والمجتمع بجامعة بنغازي.
أما جهده المعرفي ترجمة وتأليفاً، فتمخض عن ترجمة 55 إصداراً، من ضمنها دليل أكسفورد للفلسفة، ودليل كيمبريدج للفلسفة، و20 مؤلفاً، وأكثر من 20 بحثاً ودراسة نُشرت جميعها في مجلات محكمة، وفكرية، وثقافية. وفي الفترة الأخيرة انصب اهتمامه الفكري على مسائل الهوية الوطنية، والتفكير الناقد، والذكاء الاصطناعي من باب فلسفتي العلوم والأخلاق.
ويظل مشروعه الرئيسي العمل على توطين التفكير الناقد، أو ما سماه نجيب تنمية حساسة أو «حساسات التفكير الناقد»، وهي مفردة اختارها بعناية، يعني أن تضمن التنشئة تكوين حاسة إضافية تتعلق بالتروي قبل إلقاء الأحكام، وعدم أخذ الأمور على علاتها.
في إطار تبيين أهمية التفكير الناقد على المستوى الجمعي، يقر نجيب الحصادي في كتابه (حساسات التفكير الناقد، المفهومية واللغوية والمنطقية) أن «دراسة التفكير الناقد تسهم في تعزيز مهارات ذهنية ذات استخدامات فعالة وواسعة النطاق. ومثل ذلك أن القدرة العالية على التعبير عن الأفكار بوضوح ودقة، والمهارة في تعريف الألفاظ والمفاهيم، والاقتدار على صياغة الحجج بدقة، وتحليلها بنظرة ناقدة، من ضمن الفوائد التي يجنيها الطالب من دراسته.
وعلى المستوى الجمعي، استخدامات التفكير الناقد واضحة أيضاً، خصوصاً في المجتمعات الديمقراطية، حيث يُفترض أن يفكر المواطنون لأنفسهم، وأن يتحاوروا حول المشكلات التي يواجهها مجتمعهم بحرية مطلقة، وأن ينتخبوا قادتهم وفق تقويم مُتروٍ ومُدقِّق لما يقترحونه في حملاتهم الانتخابية من برامج وسياسات. وبصرف النظر عن طبيعة النظام السياسي الحاكم، قد يستبين أن المجتمعات المتخلفة أكثر حاجة من غيرها لإعمال آليات التفكير الناقد، بل لعل فشلها في إعمالها من أهم أسباب تخلفها».
وهنا أعيد ما ذكرته في المقالة السابقة المذكورة، بوابة الوسط بتاريخ 22 يوليو 2025: «إن تكريم نجيب الحصادي الحقيقي، أن يعمل القائمون على المؤسسات التعليمية والثقافية، والنخب التي تريد للبلد وللأجيال القادمة خيراً، على الاهتمام بهذا المشروع الحيوي (توطين التفكير الناقد)، لأنه ليس ترفاً، ولكنه يمثل آلية دفاعية ضد ما يتهدد الأجيال القادمة من تقنيات قادرة على اللعب بأدمغتهم عبر الفبركة والتزييف ونقل الأخبار الكاذبة، ولا وسيلة لاتقاء ألاعيب الذكاء الاصطناعي القادمة إلا بتنمية ذكاء طبيعي تصنعه ممارسة التفكير الناقد في أوسع مجال اجتماعي.».
وملاحظتي الأخيرة أن تعريفات التفكير الناقد الواردة في الاقتباس ــ مثل الوضوح والدقة ــ قد تزعج الفنانين عموماً، وكُتّاب الشعر والنثر خصوصاً، وهي فنون متمردة بطبيعتها، غير أن المحاجّة، والمهارة في اختيار المفردات، سنجدها في الشعر والنثر، خصوصاً عند مبدعين ليبيين مثل، محمد الفقيه صالح، عمر الككلي، رضوان بوشويشة، وجمعة كليب، ويوسف القويري في كتاباته الأدبية والمسرحية المنضبطة، وهم لا يكتبون فكراً مباشراً، لكن من الممكن اعتبار أن استعارتهم الكلية هي المحاجة الأدبية دفاعاً عن قيم مثل: الحرية وقداسة الحياة الإنسانية والجمال عموماً كوصفة ضد ما يهدد الجوهر الإنساني من قبح وقسوة، وبالنسبة لهم، كتابة النص يفتح ورشة تحتاج لكل المهارات الأسلوبية والخطابية والجمالية. غير أن كتابة النقد في الإبداع، تحتاج إلى تفكير ناقد بكل مهاراته، وهذا ما كان وراء ظهور مناهج النقد الأدبي العلمي بكل مذاهبه.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات