كثيرة هي الأمم التي عرفت صفحات دامية في تاريخها، فسنوات طويلة من العنف والكراهية خيمت بسحبها السوداء على حياة الناس، فزرعت الخوف في النفوس، وفتتت الروابط، وأنتجت اليأس والإحباط. في تلك اللحظات المظلمة، تحولت أدوات العنف من قتل وتعذيب إلى لغة يومية، وارتفعت الأساطير التي تمجد الانتصار على العدو القريب، وامتلأت المؤلفات والقصائد بخطاب إعلاء الذات وازدراء الآخر.
لكن وسط هذا الركام الدموي، لا بد أن ينهض صوت البقاء. فالغريزة التي تحافظ على الحياة تبث في القلوب توقاً للحب والسلام والمصلحة المشتركة، وتعيد للعقل قدرته على اليقظة. عندها يخرج رواد الفكر حاملين رسالة التنوير والتسامح والعيش المشترك. وعندما نقرأ تاريخ هذه المجتمعات بعد زمن، نكتشف أن العقل والحب يملكان القدرة على تجاوز الجراح، وأن الأجداد في مرحلة ما من عمر الكيان تعلموا هذا الدرس العميق.
في العام 2015، تلقيت دعوة كريمة من إخوة أعزاء، أقدر إمكانياتهم الأكاديمية عالياً، لحضور ندوة مشتركة مع مؤسسة أجنبية حول سؤال الهوية. لم أعترض على العنوان، لكن تحفظي ولا يزال، كان على توقيت طرحه وكيفية مقاربته. فالهوية ليست مجرد مفهوم يتداول، بل سؤال معقد تتداخل فيه إشكاليات عديدة، وأخشى أن يحاصره ثلاث عراقيل أساسية:
بلد لم يتعاف بعد من زلزال مدمر، لم يخرج من تحت ركامه بعد. غياب مرجعية سياسية جامعة يمكنها إدارة هذا الحوار. مناخ اجتماعي تتغذى فيه الهويات الضيقة والانقسامات. في مثل هذا الواقع، يتحول النقاش حول الهوية من مسار توفيقي إلى مسار توظيفي، يفقد مقصده النبيل، ويغدو بعيداً عن أولويات اللحظة التاريخية. فالإنسان في زمن الاضطراب يعود إلى المربع الأول، يبحث عن وهم الحماية، مستخدماً كل الأدوات لتبريرها. وهنا يكون أول ضحايا الأزمة هو التاريخ.
إذ تعاد قراءته وتقديمه من جديد: مرة لتكريس الشرعية، وأخرى لإبراز علو الأصل والنسب، وثالثة لتوظيف الحوادث الماضية في معارك الحاضر لإثبات دونية الآخر القريب وخطئه وهزيمته.
تحفظي الآخر يتعلق بالمنهجية: فمثل هذه الأسئلة العميقة ينبغي أن تطرح داخل المختبر الأكاديمي، حيث العقول مفتوحة، والمناهج العلمية تحكم. الجامعات بعقولها المستنيرة، والمراكز البحثية مثل «المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية» هي البوابات الشرعية للعبور إلى التاريخ.
أما خارج هذا الإطار، وعبر وسائل الاتصال والتجمعات العامة، فإن النقاش سرعان ما يتحول إلى سباق في رفع سقف المكانة في التاريخ وسقف المطالب في الحاضر، فيقودنا إلى تنازع جديد لا يفضي إلا إلى مزيد من الاحتراب. عندها يتحول التاريخ إلى ساحة صراع، وتضيع فكرة الانتماء المشترك.
إن العودة إلى التاريخ ليست للبقاء فيه، بل لمغادرته، لنستخلص منه دروس التجاوز، لا وقود الصراع. فالتاريخ بوابة وذاكرة، لكنه لا يمكن أن يكون سجننا الأبدي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات