Atwasat

لاءات إسرائيل الثلاثة

منصور بوشناف الخميس 25 سبتمبر 2025, 04:32 مساء
منصور بوشناف

«لا صلح.. لا اعتراف.. ولا تفاوض مع إسرائيل».. تلك كانت قرارات مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في الخرطوم بعد هزيمة حزيران منتصف القرن الماضي.

تلك القرارات عرفت لسنوات طويلة بلاءات الخرطوم، وكانت شعار الأمة المعلن والمقدس الذي عبرت الأمة عبره عن صمودها وتصديها لكل مخططات الكيان لنيل اعترافها به والتصالح معه، كانت الأمة وعلى الرغم من الهزيمة النكراء التي تلقتها على يدي الكيان الصهيوني، قد ازدادت صمودا وتحديا وإصرارا على دحر العدو وتحرير الأرض، وكل ذلك على الرغم من الهزيمة النكراء.

كانت حركة التحرر الوطني ما زالت موجودة وفاعلة، ولم تكن إسرائيل إلا كيانا استعماريا، اغتصب أرضا وطرد شعبها وأقام دولة مصطنعة لا يمكن الاعتراف بها أو حتى التفاوض والتصالح معها.

ولكن وفي تلك القمة أو قمة اللاءات الثلاثة الخرطومية، كان عبد الناصر المنهك يزفر من تحت انقاض نظام انهار، زفرته الأخيرة، مقرا بالهزيمة، وكانت الأنظمة العربية في غالبها وعلى الرغم من الخطابات والأناشيد واللاءات الخرطومية قد بدأت تتنفس الصعداء وتعد العدة لتسلُّم القيادة التي ستعرف بالمعتدلة والواقعية، لتجر الجيوش المهزومة والاقتصاد المنهار إلى التفاوض، لتنهار حلقة اللاءات الأضعف.

في فيلم «العصفور» ليوسف شاهين، تخرج «بهية» حافية إلى الشارع وهي تصرخ «لا، حنحارب» ووراءها حشود الفقراء، لتفيض بهم الشوارع وبصرختها «لا، حنحارب» ليغرق خطاب التنحي الذي كان يلقيه عبد الناصر وعلى غير العادة من وراء جدران بيته وحراساته وليس وسط الميدان ووسط هتافاتهم.

عبد الناصر لم يكن خائفا وهو يلقي خطاب التنحي من وراء الجدران، ولكنه كان خجلا ويائسا ومهزوما، كان أشبه بفارس «ساموراي» يغرس سيفه في قلب تجربته ونظامه، وكانت «بهية» والفقراء ترد على الخطاب والهزيمة «لا، حنحارب وان تنحيت»..

وسط ذلك المشهد الملحمي، وتلاشي صوت عبد الناصر والتنحي وتعالي صوت «شيخ إمام» وهتاف بهية والفقراء كانت كاميرا يوسف شاهين تصطاد «شاحنة تهريب» وهي تشق مظاهرة بهية والفقراء معاكسة لسير المظاهرة، كانت شاحنة «الكمبرادور» الذي رباه الفساد الناصري تشق طريقها رغم زحمة الفقراء وهتافاتها، نحو الانفتاح والاعتراف والتطبيع، قبل لاءات الخرطوم، لكأن تلك الشاحنة التي تظهر في المشهد صغيرة وتمر في غفلة من الناس، ثغرة «دفرسوار» في خارطة مستقبل الصراع، لتتكاثر شاحنات التهريب والتخريب ويتفرق الفقراء بحثا عن لقمة العيش، بعد أن دفنوا شهداءهم وخسروا الأرض والمعركة..

كان التطبيع بعد التفاوض قد بدأ والاعتراف ضمنيا وقع، ولكن ذلك كله كان يجري بسرية وفي غفلة من شعوب تغرق في الفقر وتعاني القمع اليومي، وكانت لاءات الخرطوم يتم تناسيها ثم السخرية منها، ثم رفع الصوت ضدها، وضرورة البحث عن بدائل لوسائل التحرير فكان مشروع السلام مع إسرائيل، ولكن هذا السلام لم ينجز من تحرير فلسطين شيئا ولم يسترجع من فلسطين مترا واحدا.

«العرب بتلك المبادرات مسحوا لاءات الخرطوم بالثلاثة، فقد فاوضوا واعترفوا وطبعوا دون أن ينالوا من إسرائيل شيئا ذا بال، لقد بدأت مرحلة لاءات إسرائيل الثلاثة، لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العرب.»

هجمة العرب المرتدة كانت الأرض مقابل السلام ، لتتنازل إسرائيل عن جزء من فلسطين مقابل اعتراف العرب جميعا بها ولتترك إسرائيل العرب في سلام ولتتوقف أعمال المقاومة ضدها.

العرب بتلك المبادرات مسحوا لاءات الخرطوم بالثلاثة، فقد فاوضوا واعترفوا وطبعوا دون أن ينالوا من إسرائيل شيئا ذا بال، لقد بدأت مرحلة لاءات إسرائيل الثلاثة، لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العرب بخصوص فلسطين، لتكتفي الكيانات العربية باعتراف إسرائيل بها ككيانات لتنعم هذه الكيانات بالسلام الإسرائيلي.

ولكن إسرائيل لم تكتفِ بهذا التخلي عن فلسطين من قبل العرب، فقد ظلت جيوب مقاومة ضدها وكان على العرب أن يسهموا ويشتركوا فعليا مع إسرائيل في تصفيتها، وانخرطت جيوش العرب في خنق تلك المقاومة وذبحها، وعلى الرغم من كل ذلك، وكل ما قدم العرب فإن إسرائيل ترفع الآن لاءاتها الثلاثة «لا صلح.. لا اعتراف.. لا تفاوض» مع العرب، بل «لا شيء اسمه فلسطين» ولا شيء اسمه دويلات العرب.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»