Atwasat

محاكم اللايك: ابتسامة مغتصبة خلف المشربيات!

طارق القزيري الأحد 21 سبتمبر 2025, 07:37 مساء
طارق القزيري

يكفي أن ينشر أحدهم صورة فرح أو «زردة» بسيطة حتى تنهال التعليقات الناصحة، واعتبار ذلك فضحا للخصوصية أو خيانة لقيم المجتمع.

لا يزال طيف الانغلاق والمراقبة القديمة يلوح من خلف «المشربيات» التي كانت تخفي عيون الجارات وألسنتهن. تغيّرت الأدوات، لكن الجوهر ثابت: رغبة في التلصص، وفي إصدار أحكام تلبس ثوب الأخلاق.

لكن أين يكمن التناقض؟
يكمن في أن هذه الأصوات نفسها لا ترى بأساً في متابعة برامج «الطبخ» التي تُبَث يوميًا في كل بيت، ولا في التفاعل الحماسي «التاريخي» مع برامج استعراضية، مثل «عيلتنا أقوى» على قناة «ليبيا الأحرار».

هناك، يصبح الاستعراض مشروعا، والتباهي منهجا، ولا أحد يلوّح بسيف الفقراء أو يرفع راية الغيرة على الخصوصية.

ذلك نفاق اجتماعي صريح ومُضجر. أن يُحرَّم على الفرد أن يفرح بصورة فطيرة و«سفنز» أعدّتها أمه، أو بنشر تفوّق ابنه، بينما يُستباح الفضاء العام لفيض من مشاهد البذخ والفرح المصطنع.

نشر لحظات السعادة ليس فضيحة، بل هدية صغيرة لمن نحب، ورسالة دفء في زمن يزداد برودة.

ما علاقتي بك!؟ إذا كان بوست سيفرح «أمي» وهي تستمع لجاراتها ومعارفها يتحدثن عن بوست «طارق» عن السفنز والفطيرة، ولتذهب أنت واحتياطاتك وأخلاقياتك الموهومة أينما شئت، فلا يعني ذلك أحدا البتة إلا أنت، واترك الآخرين يختارون وجهتهم.

المشكلة ليست في الصورة أو «البوست»، بل في ثقافة الرياء التي تجعل التعليقات محاكم أخلاقية، يقف فيها الإنسان مُتهَماً أمام قضاة لا يعنيهم إلا تحصيل الإعجاب، وتكديس «اللايكات»، وسينسون ما كتب بعد دقيقتين على الأكثر.

«اللايك» صار معبودا جديدا، يقدم له الولاء عبر كل أشكال المزايدات الأخلاقية والثقافية والدينية.

هي ثقافتنا العميقة: انتقائية مخجلة، تحاول أن تحفظ ماء وجه مجتمع يتوه بين أخلاق لم يعد يفهمها، وعصر لم يعرف بعد كيف يتصالح ويتعامل معه.

لذا انشروا، وعمموا الفرحة، ووثقوا الذكريات، وحاربوا تعاستهم وكآبتهم بالإعلان، ولو بصورة سفنز، وكسكسي.

شعب يقطب جبينه منذ الصباح، ويتنفس بـ«التفنيص»، لا يليق بنا اعتباره مرجعا، بأي حال، بل علينا أن نعالجه من أزمته النفسية، وثقافة الكآبة والتذمر المزمن، والدواء بالفرح وتوثيق الذكريات.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»