في كتابه «العودة إلى ذاكرتي» يسرد «محمد أحمد الحمري منفاه الذي اختاره في البداية ليتحول إلى جحيم من المعتقلات والمطاردات والجوع والمرض والفقر.
الحمري كان ابن فلاحين ليبيين من أرياف الزاوية، تلك المدينة التي ظلت طوال التاريخ الليبي الحديث، أحد مراكز الوعي والنشاط السياسي الشعبي، كانت نزعات التحرر والوطنية والعداء للاستعمار، كانت كل تلك العناصر، وجدان الزاويين المتوهج الذي جعلها تدفع أثمانا باهظة وتقدم شهداء ومناضلين وضحايا.
الحمري ومنذ مقتبل عمره الذي نال فيه بدايات تعليمه كابن لدولة الاستقلال، ليكون أحد بناة المستقبل الليبي، اصطدم وهو ابن الثلاثة عشر ربيعا باستيقاف على أطراف قريته وغير بعيد عن مدينته، كان الجندي والبوابة أجنبيين، أميركيين بالتحديد، إذن ثمة أجنبي آخر، مستعمر وعدو «كما رآه إذ ذاك» لا زال على الأرض.
في تلك اللحظة وكما يسرد الحمري كانت اللحظة الفارقة في حياته، إذ يبدأ وإثر أحداث 1964م الطلابية، في نشاط معارض بكتابة المنشورات بخط يده ويعلقها في شوارع قريته، ليدخل المعتقل الأول، ويطلق سراحه لأنه قاصر صغير السن.
لم يستمر اعتقاله إلا لساعات ولكنها كانت فارقة في حياته، فدرس وكبر شابا متحمسا لقضايا الأمة ومعاديا للاستعمار ككل أبناء جيله الليبي والعربي.
تحصل على عمل بالمصرف التجاري ببنغازي وواصل تعليمه الجامعي كمنتسب لكلية الحقوق، مما جعل مستقبله يبدو زاهرا ككل أبناء جيله في دولة الاستقلال، ولكن قلق المهموم بالمعرفة وقضايا الأمة يترك كل شيء في ليبيا ويشد الرحال إلى الجزائر ليكمل دراسة الحقوق هناك على حسابه، لتبدأ مرحلة أخرى في حياته، فالبلاد تغير فيها كل شيء إثر سقوط المملكة وبداية عصر الجمهورية، ليظل هنالك بالجزائر ويلتقى بالمعارض الليبي فاضل المسعودي صاحب جريدة «الميدان» الذي خرج إلى الجزائر وبدأ يعمل كمعارض للنظام العسكري.
بالجزائر داوم على حضور محاضرات وقراءة كتب «مالك بن نبي» ليتشكل وعيه من ذاك الخليط الليبي «أفكار بن نبي الإسلامية وأفكار المسعودي اليسارية».
رحلة الحمري بالجزائر والمعارضة جعلته يمر ويعاني كل ما عاناه المعارضون الليبيون بالخارج من مطاردة وفقر وخوف وتشوش وارتباك، فخرج من الجزائر إلى فرنسا وأسهم في صحافة المعارضة ثم عاد إلى الجزائر ليعمل ويواصل معارضته مع فاضل المسعودي، ثم لتبدأ رحلة معاناته الجزائرية من اعتقال وتعذيب لتلقي به المخابرات الجزائرية على ظهر سفينة متجهة لإيطاليا، لتبدأ رحلة اللجوء إلى إيطاليا وفرنسا، بكل ما فيها من تشرد وجوع، من النوم على الأرصفة وبالجوامع إلى مطاردة النظام للمعارضة بأوروبا وحملة اغتيالاته بكل ما فيها من قلق وخوف، لقد طارده الإرهاب الوطني ككل المعارضين الليبيين في الخارج فترة الثمانينيات المرعبة، حيث كان القتل بالخارج والمشانق بالداخل.
في هذا الكتاب وهذه السيرة المليئة بالتفاصيل والمعاناة، يسرد الحمري سيرة جيل ليبي ولد وكبر في دولة الاستقلال، حيث كان الطموح وأيضا التوتر والقلق والانشغال بقضايا العرب أكثر من قضايا البلاد، والأهم خيبة الأمل التي أصابت بعض ذلك الجيل في الثورة التي أسقطت الملكية وأقامت الجمهورية، ثم بدأت تشن حملات الاعتقالات ضدهم.
تشكل المعارضة الليبية بالخارج وارتباكاتها ثم صراعاتها وانشقاقاتها على بعضها وضياع جهودها في تلك الانشقاقات والصراعات، يسردها الحمري بصدق وبراءة مما يجعل كتابه من السير المهمة في توثيق تاريخ المعارضة الليبية بالخارج.
في هذه السيرة يرسم لنا الحمري صورتين رائعتين لرمزين من رموز الوطن هما فاضل المسعودي الصحفي والسياسي ومنصور الكيخيا السياسي والحقوقي الليبي وما حملاه من قيم نبيلة ودفاع عن حرية الإنسان وحق البلاد في بناء دولة حديثة، دولة للمواطنة والديمقراطية بالطرق السلمية، ودون سماح للتدخل الخارجي.
في هذه السيرة يقدم لنا الحمري سيرة غنية ومؤلمة له ولنا وللبلاد.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات