الاعتداء الذي قام به الكيان على دولة قطر سلط الضوء من جديد على النقاش حول العلاقات بين الدول وماذا يحكمها، وعلى طبيعة العلاقات بين الدول الكبرى والصغرى وعلى الحماية التي يمكن أن توفرها للدول الصغرى التحالفات مع الدول العظمي.
من المعلوم أنه عبر التاريخ، ظلت العلاقات بين الدول مسرحًا تخيم عليه «موازين القوة» بلا منازع. وبقيت الدول الأقوى هي من يصوغ قواعد اللعبة، يرسم الحدود، بل وحتى يُعيد تشكيل الهويات حين يقتضي الأمر. في هذه المعادلة الصارمة، لا مكان للعواطف أو التحالفات الدائمة، فما يجمع الدول هو «المصلحة» وما يفرقها هو «تعارض المصالح». وبقيت القوة، بعناصرها المتعددة المتغيرة (اقتصاديةً كانت أم عسكريةً أم تقنيةً أم ثقافيةً) هي العامل الحاسم في تحديد مكانة كل دولة ومصيرها.
علاقات القوة هذه لم تترك الكثير من الخيارات أمام الدول الصغيرة أو «الضعيفة». ففي سياق النظام الدولي — تجد أمامها عددا محدودا من البدائل، على رأسها:
- الانحياز والتبعية: وهنا تضع الدولة الصغيرة نفسها في ظل قوة كبرى تضمن لها الحماية مقابل تنازلات في السيادة أو الموارد أو القرار السياسي.
- الحياد الإيجابي والمرونة: وهو مسار أكثر حكمة، يعتمد على بناء شبكة من العلاقات المتنوعة مع عدة أقطاب، دون الارتباط الكامل بأي منها، مما يحفظ هامشًا من المناورة ويجنبها خطر الاصطدام.
المقاومة والتمرد: وهو خيار محفوف بالمخاطر، قد يؤدي إلى عقوبات اقتصادية مدمرة، أو حروب بالوكالة، أو حتى اجتياح عسكري — نهايته فقدان الاستقلال أو الاستقرار.
لكن في تصوري ثمة خيار آخر أراه الأكثر حكمة — وإن كان الأصعب — هو خيار «بناء القوة الذاتية». فالحكمة الحقيقية ليست في تجنب الصراعات فحسب، بل في تحويل التحديات إلى فرص. وذلك من خلال:
- الاستثمار في رأس المال البشري عبر تعليم يطلق العقول، ويشجع الابتكار، وينمي مهارات التفكير الناقد لأن الأمة المتعلمة هي الأمة القادرة على الاختراق والمنافسة.
- بناء اقتصاد معرفي متنوع يعتمد على التكنولوجيا والقيمة المضافة، لا على الموارد الطبيعية فحسب فاقتصاد المعرفة أقل عرضة للهزات وأكثر قدرة على التأقلم.
- خلق بيئة جاذبة للاستثمار عبر استقرار سياسي، شفافية، سيادة قانون، وبُنى تحتية ذكية — لجذب الاستثمارات والعقول والشراكات الدولية.
- تعزيز التكامل الإقليمي: فالتعاون مع الجيران — بدل الصراع معهم — يخلق كتلةً أقوى، تزيد من قدرة الصغار على التفاوض وعلى تحسين شروط التعامل مع الكبار.
أخيراً، لعبة القوى قديمة قدم البشرية، ولكن أدواتها تتغير. والقوة لم تعد في عدد الجنود فقط، بل في عدد العلماء، وفي جودة البنى التحتية الرقمية، وفي قوة الاقتصاد وسيادة القانون. الدول التي تستثمر في داخلها، وتتحلى بالمرونة والدبلوماسية الذكية، هي القادرة على تأمين مكانة محترمة — ولو نسبيًا — في عالم قاس لا يرحم.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات