Atwasat

أخلاق الوصول إلى الغنيمة

عمر الكدي الإثنين 15 سبتمبر 2025, 01:53 مساء
عمر الكدي

توقفت طويلاً عند حديثين منسوبين إلى الرسول. يقول الأول «الدين المعاملة»، ويقول الثاني «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً». معظم الفقهاء يعتبرون الحديث الأول ليس حديثاً نبوياً، وإنما هو كلام الناس، بينما يختلفون حول الحديث الثاني، ومن أجازه منهم يعتبره ضعيفاً، وإن أجمعوا على أن مصدره هو عبد الله بن عمرو بن العاص فقط أي أنه من الأحاديث الأحادية الضعيفة، وعلى الرغم من روعة الحديثين وقدرتهما على تلخيص روح الدين، إلا أن معناهما يخيف الفقهاء الذين كانوا دائماً وأبداً يبثون الخوف والرعب في قلوب العامة، فهدفهم الخضوع والانصياع وليس الحرية، وهم يعلمون أن آيات كثيرة في القرآن تزكي الحديثين، «وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين». 55 القصص، و«إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» 58 سورة النساء.

هذا غيض من فيض فالدين في تقديري هو العقيدة والأخلاق، والعقيدة إيمان دون تفكير، فعندما يؤمن المؤمن بالله الواحد الأحد، لا يحتاج إلى برهان ولكن الأخلاق تحتاج إلى إقناع وتربية وتعليم، ودون الأخلاق يصبح الدين عديم الجدوى مهما أكثرنا من الطقوس والعبادات، فالله ليس في حاجة لصلاتنا وصومنا وحجنا، خاصة عندما تتحول هذه العبادة إلى طريقة لخداع الآخرين، مثل شركات توظيف الأموال التي جمعت من الناس شقاء عمرهم ثم هربوا بها إلى خارج الحدود.

أصحاب هذه الشركات كانوا في حاجة لرجال الدين ليقنعوا البسطاء بتوظيف أموالهم، وهي أكبر خيانة للدين وللأخلاق، واليوم تعاني معظم البلدان الإسلامية من تردي الأخلاق، التي حض عليها الدين في القرآن والأحاديث، ولكنَّ الحكام الفاسدين واللصوص لا يرحبون بهذه الأخلاق، فالبيئة المناسبة لهم ليست في مجتمع يحترم الآخرين في كرامتهم وفي شرفهم وفي أملاكهم، وإنما في مجتمع ينهب فيه الجار جاره، ويعتدي فيه الأخ على حق إخوته القصَّر في الميراث.

ومع ذلك لا تنبس الهيئات الدينية ببنت شفة، لأن المطلوب منها هو التركيز على اليوم الآخر وليس اليوم الحاضر الذي يسرق فيه المؤمنون في وضح النهار، والمطلوب هو التركيز على العبادات، لأنها بدلا من أن تكون بين المؤمن وخالقه، أصبحت مجرد رياء ونفاق يظهرونها حتى لا يظهروا أخلاقهم الحقيقية، بل وصل الأمر لمحاولة رشوة الله ليعفو عنهم ويدخلهم إلى الجنة. هكذا يفعل البعض عندما يبالغون في التعبد ويتجاهلون الأخلاق الرفيعة، فالذي يسرق الجمل بما حمل سيذهب إلى الحج ويعود مثلما يعود الثوب الأبيض وقد غسل من الدنس، بل إن البعض يخرج من المسجد وهو يحسب الحسنات، ولكنه لا يجد حذاءه الذي تركه خارج المسجد.

للأسف لم يهتم الفلاسفة والمفكرون في تاريخ الإسلام بالأخلاق، باستثناء ما كتبه أحمد بن مسكويه (عاش ما بين القرن الرابع والخامس الهجري)، بالإضافة إلى شذرات للجاحظ والغزالي وابن عربي، وتقريبا جميعها نظرت إلى الأخلاق باعتبارها وسيلة لتهذيب النفوس، ولم تنظر في منشأ الأخلاق ولماذا تختلف من مجتمع لآخر وتتغير عبر الزمن، ربما لأن مسألة العقل شغلت فلاسفة المسلمين أكثر من غيرها، وهم يجابهون مدرسة النقل ونفي العقل.

ولهذا لم ينتبهوا إلى ما كتبه أرسطو حول الأخلاق بشكل مختلف عما كتبه أفلاطون عن نفس الموضوع، فالأخير يئس من مجتمعه فكتب يوتوبيا عن مجتمع فاضل أطلق عليه اسم الجمهورية، ولم تعالج البشرية الأخلاق من منطلق عقلي إلا مع الفيلسوف الألماني كانط، وصولا إلى فريدريك نيتشه الذي هوى بمطرقته على أخلاق المجتمعات المسيحية وهي تتحول إلى الرأسمالية.

فاكتشفنا أن الأخلاق هي أخلاق سادة وأخلاق عبيد، ونظر نيتشه للإنسان الأعلى الذي تنبع الأخلاق من عقله وضميره، بدلا من الأخلاق السائدة المبنية على الإيمان الميتافيزيقي والتي قد ترضي روح الإنسان القلقة ولكنها تبقيه في خانة العبيد، فعلاقات الإنتاج ونمط الإنتاج هو الذي يفرز الأخلاق المناسبة للنظام الرأسمالي.

وهذا يفسر لماذا حظرت المجتمعات الرأسمالية العبودية، بعد أن استعبدت الملايين من البشر عندما كانت مجتمعات زراعية، وهو السبب في تفجر الحرب الأهلية الأميركية بين الولايات الشمالية الصناعية، والولايات الجنوبية الزراعية، حتى عندما ينبهنا عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في كتابه «الأخلاق البروتستانينية وروح الرأسمالية»، إلى أن الدين لا يزال يلعب دوراً مهماً في صياغة الأخلاق أكثر من المفهوم الماركسي للبنية التحتية والبنية الفوقية، وهنا لا يوقف فيبر ماركس على رجليه مثلما فعل الأخير مع هيغل، ولا أرى تعارضاً بين النظريتين، فالرأسمالية أيضا استغلت الدين كما استغلته كل أنماط الإنتاج عبر الحقب التاريخية، ووظفته ليخدم أهدافها، فالبنية التحتية والفوقية هما وجها عملة معدنية لا معنى لنجعل من أحدهما أعلى والآخر أسفل.

عندما يدير شؤون حياتك موظفون تحصلوا على شهادات مزورة بمن في ذلك الوزراء، وعندما يتفشى الغش في المدارس حتى يتحول إلى وباء، إلى درجة أن مدير إدارة الامتحانات يقدم استقالته احتجاجاً على انتشار الغش، ليس فقط بين الطلبة وإنما بتواطؤ من المراقبين ولجان الامتحانات، عندها تأكد أن هذا المجتمع بدأ يأكل نفسه بنفسه، وأن لا مستقبل له لأنه يتعمد تدمير وإفساد أجياله القادمة.

خاصة عندما تصمت الهيئات الدينية عن كل هذه المشاهد وتهتم فقط بالإسفاف، وهو ما يعني أننا كمجتمعات نتصارع على الغنيمة منذ البداية، ولا معنى لإجراء انتخابات الآن أو في المستقبل، فكل من سيصل إلى السلطة سينهب الغنيمة، بغض النظر عن برنامجه الانتخابي أو شعاراته الأيديولوجية، فالأيديولوجية مجرد قناع للدعوة الدينية كما رأيناه طوال تاريخنا، والحزب هو الواجهة للعصبية القبلية، والهدف دائماً وأبداً هو الغنيمة، ولهذا لم تكن لنا دولة طوال تاريخنا وإنما سلطة وصلت إلى الحكم بالطرق السابقة.

وكما قال الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، «أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه، وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته وإرادته، وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلا، إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم، وقسم أرزاقكم، فإن شاء أن يقفلني عليها أقفلني».

وفقا لابن كثير في «البداية والنهاية»، في مثل هذه المجتمعات لا معنى للأخلاق، فالأخلاق تحتاج إلى مواطنين أحرار، وللأسف فإن معظم الناس لا يزال يخضع لأخلاق العبيد.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»