Atwasat

تأملات فيما حدث.. دعوة للمراجعة

امحمد شعيب الأحد 14 سبتمبر 2025, 03:29 مساء
امحمد شعيب

خلال مسارات الحوار، وما رافقها من محطات، التقيت في أكثر من مناسبة السفير التركي السيد أحمد دوغان، الذي بدا لي شخصية ودودة، قليلة الكلام، لكنه يحمل في حضوره رسالة واضحة وملموسة. لمست في شخصه هدوء الدبلوماسي المتمكن، وبدا أنه يتمتع بعلاقات طيبة مع بعض الزملاء المشاركين في الحوار.

كما التقيت السيد أمر الله إيشلر، المبعوث الخاص للرئيس رجب طيب أردوغان، الذي وجدته متحفظا في خوض أي زوايا سياسية خارج نطاق مهمته المباشرة، وإن لم يخل حديثه من إشارات إلى انشغاله بالتوترات الإقليمية التي كانت تعصف بالمنطقة في تلك المرحلة.

هذه اللقاءات تركت في الذاكرة أسئلة عميقة لم يكن من الممكن طرحها في حينها، فالمفاوض لا يخرج عن سياقات مهمته، لكنها ظلت كامنة لتعود في لحظة تحرره من قيود المهمة، كاشفة عن حقيقة مؤلمة: إن علاقات ليبيا الإقليمية، في تلك الفترة، ظلت أسيرة للخطاب الأيديولوجي أكثر من كونها نتاجا لحسابات المصلحة الوطنية. لم يدرك كثيرون أن إدارة الدولة تختلف في مناهجها ومقارباتها عن خطاب المعارضة، وأن استمرار هذا الخلط قد كلفنا أثمانا باهظة منذ الانقسامات الأولى في المجلس الانتقالي، وما تلاها.

الأطراف الخارجية، من جهتها، لم تتوان عن ترسيخ نفوذها عبر البحث عن حلفاء محليين، مما عمق هشاشة المشهد. وقد أشرت في لقاء جمعني بالسفير التركي في سويسرا إلى ملاحظة مهمة: إن علاقات أنقرة في ليبيا بدت محصورة في تيار واحد، ممثل في شخوصه بعينها، وهو نهج يُذكرنا، في دلالاته، بسياسة إيران في لبنان، فالعلاقات السليمة، إن أرادت أن تؤسس لرسوخ طويل الأمد، يجب أن تقوم على الانفتاح لا الاصطفاف، وعلى التوازن لا الاحتكار.

ومع أن علاقاتنا مع تركيا تراوحت بين الجيدة والممتازة تبعا للشريك الليبي، يبقى السؤال المشروع: هل أحسنا استثمار هذه العلاقة في الاقتصاد والتعليم والصحة وبناء القدرات أم أننا بقينا أسرى لانبهار سطحي بالحضور التركي، دون أن نمارس «عصر» هذه العلاقة بما يخدم مصالحنا الوطنية؟

في بُعد آخر للطرح، واجهت تركيا منذ أكثر من قرن سؤال الحداثة والتقدم، فقدمت مقاربات لمعالجة الأصالة والمعاصرة. لكن السؤال الذى لا يمكن تجاهله: كيف لنا ألا نتوقف عند تجربتها في الحداثة والديمقراطية؟ أعلم اختلاف السياقات والظروف التاريخية والموضوعية، لكننا ندرك أن جوهر أزماتنا يظل في مواجهة المعضلة التاريخية، المتمثلة في التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، بين الوفاء للهوية والبحث عن الحداثة.

من هنا، فإن بناء علاقات ليبيا مع الدول لا ينبغي أن يتوقف عند المصالح الآنية أو الحسابات الظرفية، بل يجب أن يمتد ليشمل تبادل التجارب الفكرية والثقافية والسياسية. ذلك وحده ما يسهم في إنضاج وعينا الجماعي، للإجابة عن المأزق التاريخي والأسئلة الكبرى، ويؤسس لشراكات أكثر نفعا ورسوخا واستقرارا، قائمة ومدفوعة بمصلحة البلد، وبعيدة عن الانبهار والسطحية في العلاقة مع طرف نرضى ونسعى للعلاقة معه.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»