- لا أعتقد أنك تنوى الفرار؟
- فقط لأرى ما خلف الجدار..
- إن ما خلف الجدار جدار.
- حتما هناك جدار أخير.. هكذا علمتني أمي.
- إنها مجرد ظنون، لا جدوى من محاولة إثباتها.
يوسف الشريف يكتب قصته «الجدار»، تاركا المحاضرة والجامعة عشية من عشيات الستينيات، منزويا في مقهى الحرية تحت مبنى جمعية عمر المختار، ما اقتحمته قوات الأمن وعاثت فيه فسادا. كان رجال البوليس من البدو، ورجال الجمعية من الحضر، والمتفرجة من التجار من دكاكينهم على جانبي الشارع. مقتحما الشارع بهواجسي وخيبات كثيرة ماضية وطعمها في الحلق، عند هذا المبنى ما مدخله ضيق ودرجه مصعد صعب وفيه شقق، في شقة منه كان مقر الجمعية السياسية المعارضة التي تأسست في نهاية الأربعينيات، ودكت في المنتصف الأول من الخمسينيات، ألج المكان بحاسة شم تجوس تراكينه العطنة، وأتلمس الرطوبة في دهاليزه، بعد أن حاد عنه كل حادٍ وغمره بحر نسيان.
لعل عليك استخدام حصتك من الوقت، لفعل شيء آخر غير التفجع، لمن لا يجد من يواسيه فلا عزاء للبائسين، خطر هذا في البال وقد شددت العزم على إكمال الطريق، كانت بنغازي كائنا حذرا فاتنا، وبطريقة ما، جريحا مملوءا بالأسرار في عشية ذاك اليوم الذي غمره نسيان.
عند ناصية شارع عمر المختار حيث تستعيد الأقواس مكانتها وأستعيد أنفاسي، تتجلى الذاكرة: سنابك خيول، فرقعة سياط، زجر وزمجرة، هرج ومرج، الأقواس تدك بكعوب بنادق وأحذية ثقيلة. ذاكرة موشومة بنسج على المنوال، لسان حال مصطفى بن عامر رئيس الجمعية، وهو يجر مخفورا برجلي مباحث: في شارع يمتد ويتوغل في الأفق الرمادي، حتى يختفي كسلك رقيق ليس هناك بيوت على جانبيه أو حوانيت، وليس هناك من إنسان سواه.
- سار في الشارع الذي لا ينتهي، أفزعه وقع خطواته، خلع نعليه ومشى حافيا
- تساءل لماذا يصنعون شوارع هكذا؟
- جداران متوازيان حتى ليبدو كسرداب خرساني طويل مفتوح على السماء لم يجد منفذا، حاول أن يتسلق لكن قدميه انزلقتا
- حاول مرة أخرى، كأنما صنعوا الجدار من مادة لزجة
- فلنحاول مرة أخرى
- حاولت، هكذا قبضت أصابعي على حرف الجدار
- كنت مصرا على القفز، لكن في اللحظة التي أوشكت فيها أن أطير في الهواء، أحسست أن باطن قدمي ينشطر نصفين.
ميدان الحوت عنق المدينة، قلادة شارع العقيب، ما يكاد أن يكون شريان وصل بين ميدان الشجرة وميدان الحوت، شارع العقيب: العقيب، من تبقى في بنغازي، بعد أن ذبحت بنت لاغا حاكمة المدينة قبيلتهم، كثيرا ما شوهدت في الليالي السود تسلخ جلد الرجل من قضيبه.
تدك المرأة المدينة، سوطها في يدها يشعل نيران البحر، بنت لاغا حكمت بني غازي في مطلع قرن حكم القديس يوحنا لطرابلس، وفي رواية من روايات الشفاه اليابسة خوفا: عقب الهجة الأخيرة للدلنسية.
يمكن لنا أن نعتبر أن شارع العقيب، ما يجتاز عمر المختار بعد ميدان الحوت، حيث جامع بن كاطو الذي يبدو كصندوق الموتى، ولعل ذلك خطر لمصممه فجعله تابوتا أسود يخترق رأسيا السماء.
الشارع في سبق، يقفز عن الميدان، ليصل بحر الكورنيش، ليغطس في اليم.صَممٌ يلمُ بك كأن الميدان طبل بنغازي: الحوت، الحوت طازه، حوت يا شرايه، الحوت والصبارص عالياكل الحوت، الليم بعد العصر ما ينباع، الهريسة الحارة هريسة حوش، اللبن في الشتاء، اللبن ضائع في الصيف، نقضنا يا شرايه المسير شوية، برسم حبيبك على حبة رز وابرة في عين عدوك، الزبدة زبدة اليوم واللي ما يكلها محروم، التمر تمر النبي باطل صيام اللي ما يفطر عليه، العصائر معصورة والمتفرجة محرومة، فطائر تخليك طاير، القطايف قطايف جنة واللي ما يشرى ما يتهنى، خط ولوح خط عالساس ولوح في كل مطراح، مخاريق تذوب الريق، الزلابية كل ليلة عيد، اسفنز ما يشيلك ونج.
وفي قلب الميدان، قبالة سوق الحوت (السمك)، وجه آخر لعمارة التأمين، عبث به الزمان وضرب الجدري أطنابه، في النوافذ طول وتصدع وأبواب تهالكت، في المقابل يبدو السوق في عناد وعراك شرس مع المهملين ومع العابثين، وقد تجاوز عمره المئة، يشد عوده يقاتل اليباس.
يتداعك الخلق، وتعج حدقة الميدان بالبائعين، ومن يبدد الوقت حتى وقت الإفطار الرمضاني، الجميع يعصر ميدان الحوت عصرا قبل أذان المغرب، عابثين ببعضهم البعض، متصادمين متراصين من أجل اللا شيء، عندئذ تبدو الحياة مرشوشة باللا معنى.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات