Atwasat

أرتال

منصور بوشناف الخميس 04 سبتمبر 2025, 06:06 مساء
منصور بوشناف

اكتشف الإنسان السلاح منذ أول حجر قذفه في وجه وحش يهدده، ليهرب ذلك الوحش ويولي الدبر، تلك اللحظة كانت بالتأكيد لحظة فارقة في معركة الإنسان من أجل البقاء، في تلك اللحظة اكتشف الإنسان تلك القوة التي منحه الله غير القوة البدنية، قوة الاختراع والقدرة على تطويع واستعمال ما حوله للدفاع عن الوجود.

كان الحجر أول أدوات الإنسان للدفاع عن النفس، كان السلاح الأول، دحرجه من أعلى الجبل على الوحوش التي تهدد كهفه وأهله ليسحقها سحقا، ثم تفنن في قذفه على الخصم من بعد كاف ليتجنب الاشتباك المباشر والصراع فلم يكن قويا بدنيا كالوحوش التي كانت تهدد وجوده بالافتراس.
عصا هارون السلاح والهيبة والسطوة.

الإنسان توج سلاحه بالمقلاع، ذلك القاذف للحجر من بعد أكبر الذي وفر له السلامة من أنياب ومخالب الوحوش، وحتى من منافسه الإنسان الآخر على الماء والكلأ والإناث، كان المقلاع نقلة فارقة في صناعة السلاح، سواء للصيد أو للحروب، بل تحول المقلاع إلى رمز للقدرة على الغزو والتمدد وفتح مجالات حيوية أبعد وأكثر اتساعا، كان مقلاع «داود» في تمثال «مايكل أنجلو» أخلد تصوير لكل تلك السطوة والقدرة، ولجمال القوة التي يمنحها السلاح لحامله.

المقلاع تطور إلى منجنيق ثم إلى مدفع ثم إلى صاروخ مدمر عن بعد، كان الحجر وقذفه من بعيد، قد فتح للإنسان قدرات الضرب والتدمير للعدو دون اشتباك مباشر معه ليجنبه كل نتائج ذلك.

صنع الإنسان الفأس من الحجر كسلاح حاسم في وجه العدو، وحشا كان أم بشرا، ويملك الليبيون أحد أقدم الفؤوس الحجرية، يعود هذا الفأس المعروض بمتحف السرايا الحمراء إلى الآن لحوالي العشرة آلاف عام، ثم كانت الرماح إلى جانب المقاليع التي ظل أطفال الليبيين يستعملونها للصيد إلى زمن قريب.
الليبيون وكغيرهم من شعوب الأرض، صنعوا أسلحتهم وظلوا يصنعونها ويحاولون مجاراة ما يحدث فيها من تطوير من قبل الشعوب الأخرى خاصة التي غزتهم بتلك الأسلحة.

صنعوا البارود فكانت مزدة مثلا وأهلها من «القنطرار» من أهم صناع البارود وازدهرت صناعتهم أثناء الغزو الإيطالي، إلا أن صناعتهم اضمحلت ثم دفنت بعد الاحتلال الإيطالي.

كان السلاح وحمله أمرا ليس مشروعا فقط بل وضروريا للدفاع عن النفس وأيضا للغزو والصيد، ثم ومع الاحتلال الإيطالي وبسط نفوذ الطليان على البلاد بدأ احتكار السلاح ومنع استخدامه إلا من السلطات الحاكمة ومعاقبة من يحمله أو يستخدمه بأشد العقوبات.

مع الحرب العالمية الثانية انتشر السلاح وانفلت استخدامه بين الليبيين كما كان قبل الاحتلال، كان الليبيون قد جمعوا سلاحا وبدأوا يتاجرون به كخردة، ثم وبعد الاستقلال بدأت الدولة الناشئة في جمع السلاح وتنظيم حمله واستعماله من أجل الاستقرار ونشر الأمن.

مع سبتمبر شرعت الدولة ونظامها الجديد في التسلح وزاد عدد أفراد الجيش، وكدس النظام ملايين القطع من السلاح ولكنها ظلت مخزنة ومحتكرا استخدامها للدولة وأجهزتها.

تعسكرت فبراير وتسلحت منذ بدايتها وانفلت السلاح وخرج من مخازنه وشرع الداعمون لها في إرساله للمدن الليبية بكميات كبيرة لتصبح البلاد حقول سلاح لا يمكن حصرها ولا السيطرة عليها، كانت المدن قد تسلحت والبوادي تسلحت، القبائل والمتطرفون الكل تمكن من السلاح، وما إن انهار النظام وسقط حتى تحول السلاح إلى أخطر الأخطار على مصير البلاد.

المسيطرون الجدد ولتنوعهم وتناقضهم وصراعاتهم القبلية والجهوية ومن أجل الغنيمة شرعوا في شراء وتوريد السلاح وتكديسه تربصا بالعدو «الشقيق» وتحول قادة الثوار إلى لوردات حروب، وتحول المقاتلون من اجل الحرية إلى مقاتلين قبليين وجهويين، وتحكم السلاح بكل شيء، ليتحول أولئك اللوردات إلى قادة مافيات محلية ووكلاء لتجار السلاح، يكدسون السلاح بدل البناء والإعمار، لتذهب ثروات البلاد لجيوب أولئك الأوروبيين من تجار ومصنعي السلاح.

عقد مضى وعقد آخر يوشك أن يمضي ولا شيء غير الأرتال المسلحة تجوب هذه البلاد عابثة بكل ما تبقى من البلاد.

ماذا لو قدرنا كم كلفت هذه الأرتال من أموال ومن ثروات، كم مليار كلفت هذه الأرتال التي تحوط طرابلس الآن والتي تنتشر في برقة وفزان، أي عبث بنا وبمستقبلنا يلعبه هؤلاء العابثون الأوباش.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»