لم يكن شعار «الفاتح أبداً» مجرد دعاية لنظام سياسي، بل محاولة لتجميد الزمن. الانقلاب الذي وقع في سبتمبر 1969 لم يُقدَّم كحدث عابر، بل كفتح أبدي يتجاوز الدستور والتداول والاختلاف، ويتحوّل إلى أصلٍ سرمدي. غير أن الأبدية في السياسة تشبه الورم في الجسد: تبدأ من خلية طبيعية تؤدي دورها، ثم تتمرد على نظامها وتتكاثر بلا ضابط، فتلتهم الكيان كله.
وهكذا تحولت لحظة التأسيس في ليبيا إلى خلية متمردة خرجت عن وظيفتها الطبيعية، وغدت سرطانًا سياسيًا غذّته السلطة بالريع والقمع، وسمح له التخلف الثقافي أن ينمو حتى أنهك جسد الدولة وأسقطها من الداخل قبل أن يلمسها الخارج.
فقد بُني الشعار على فكرة أن اللحظة يمكن أن تتوقف إلى الأبد. لكن الزمن مضى والمجتمع تغيّر: الفضائيات والإنترنت والهجرة أدخلت قيمًا جديدة في وعي الليبيين، بينما بقي الخطاب الرسمي يكرر مفردات الستينيات.
ومع كل محاولة لحماية الخلود، استُخدم القمع كعلاج كيماوي؛ يقضي على الخصوم لكنه يفتك بالخلايا السليمة، يقتل النخب، يضعف المجتمع المدني، ويحوّل التعليم والإعلام إلى صدى للشعار. ومع تراكم هذه الخسائر، خرج المجتمع الليبي إلى 2011 بلا مناعة، عاجزًا عن مواجهة الصدمة.
ولم يكن القمع وحده غذاء الورم، بل النفط أيضًا. فقد صار الريع دمًا يمدّ الأبدية بالحياة، لا عبر التنمية بل عبر شراء الولاءات. نشأت طبقة ريعية طفيلية لا تستمد قوتها من عمل أو إنتاج، بل من قربها من مركز القرار. هذه الطبقة استنزفت الثروة مثل خلايا سرطانية تتغذى على الجسد وتضعفه. ومع الوقت، لم يعد المواطن يرى في الدولة سوى خزينة، ولم تعد الدولة ترى في المواطن سوى تابع يردد الشعار.
وإذا كان المرض يترك الجسد فاقد التوازن في أعضائه، فقد فعلت الأبدية الشيء نفسه بالجغرافيا. امتلأ الساحل بالشعارات، بينما تُركت الأطراف بلا عمران ولا خدمات. الجنوب والواحات تحولت إلى فراغات مكشوفة، تُخترق بالتهريب والهجرة والجماعات المسلحة. جسد الوطن ظل يعيش على سطحه بينما أعضاؤه الداخلية ضمرت. وحين يُترك الجسد بلا أطراف وبلا عمق، تصبح أي هزة كافية لتهديد حياته كلها.
لكن البيئة التي سمحت للورم أن ينمو لم تكن اقتصادية أو جغرافية فقط، بل ثقافية أيضًا. فقد صُمم التعليم لإنتاج الطاعة لا النقد، وأُفرغت الثقافة من قيمتها لتصبح وسيلة لإعادة إنتاج الولاء. التخلف لم يكن صدفة اجتماعية، بل سياسة متعمدة؛ فالخلود لا يعيش إلا إذا بقي المجتمع عاجزًا عن طرح الأسئلة. وحين سقط النظام، ورث الليبيون فراغًا ثقافيًا جعلهم غير قادرين على إنتاج بديل سريع، فتحوّلوا من أسر الشعار إلى أسر الفوضى.
ومن هنا يتضح أن الفشل في البناء لم يكن وليد الصدفة. فالأبدية وعدت الليبيين أن الزمن توقف، لكن الحقيقة أن الزمن مضى وتركهم خلفه. وبعد 2011، ظلّت البلاد أسيرة المؤتمرات والانتخابات والاتفاقات العاجلة، بينما ما غاب هو المشروع الطويل: دستور يعكس شراكة حقيقية، قانون يحمي الجميع، توزيع عادل للثروة يربط العمل بالشرعية، ومؤسسات أقوى من الأشخاص. وحين تغيب هذه البُنى، يُعاد إنتاج الأبدية في صور جديدة، بشعارات مختلفة ولكن بجوهر واحد: انتظار المخلّص بدل بناء الدولة.
إن الدرس الأكبر من شعار «الفاتح أبداً» أن الأبدية في السياسة ليست وعدًا بالاستقرار، بل وصفة للانهيار. هي كالورم: تبدأ صغيرة ثم تلتهم كل شيء إذا لم تُستأصل. والعلاج لا يكون بمزيد من القمع أو مزيد من الريع، بل ببناء مناعة حقيقية: وعي نقدي يحرر العقل، مؤسسات تحتكم للقانون لا للأشخاص، ثروة مرتبطة بالعمل لا بالولاء، وتوازن داخلي ينسجم مع المجال الحيوي. كل ذلك لا يتحقق إلا بعقد اجتماعي جديد، يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويحوّل التاريخ من أسطورة أبدية إلى رصيد لمستقبل قابل للحياة.
في ذكرى الفاتح لسنا بحاجة إلى ترديد شعار مات مع زمنه، بل إلى مواجهة الحقيقة: الدولة التي تختزل نفسها في لحظة واحدة تختفي مع لحظتها. والخلود الذي بدا وعدًا بالاستقرار لم يكن سوى خلية متمردة أكلت جسد الأمة. الخلاص ليس في انتظار زعيم يعيد إنتاج الماضي، بل في إرادة جماعية تصنع دولة تقوم على العقد لا على الأسطورة، على البنية لا على اللحظة، على المستقبل لا على الشعار. عندها فقط يمكن أن يتحول الفتح من حدث استنزف الجسد إلى مشروع يحييه من جديد.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات