Atwasat

حرة لكن بدون حرية! (الكتاب الذي أنت بحاجة لمطالعته)

أحمد الفيتوري الثلاثاء 26 أغسطس 2025, 02:00 مساء
أحمد الفيتوري

«يحدث أن تقرأ كتاباً استثنائياً، يسلمك لغبطة لا متناهية، تجعلك تهمس لنفسك: كان يمكن أن أموت قبل أن أقرأ هذا الكتاب، ويا لها من خسارة!».
• سالم العوكلي

«الناس لا يصنعون التاريخ بإرادتهم الحرة، لكنهم مع ذلك يصنعون التاريخ!»
• روزا لوكسمبورغ
حرة FREE بلوغ الرشد عند نهاية التاريخ- مذكرات الألبانية ليا يبَي – ترجمة فرج الترهوني – دار الفرجاني – الطبعة الأولي 2024 .«لم أسأل نفسي أبدا عن معنى الحرية، حتى ذلك اليوم الذي عانقت فيه ستالين. فمن قرب، كان أطول بكثير مما توقعت. مضت نورا لتوضح، أن الشيء الذي جعل ستالين مميزا حقا، هو أنه يبتسم بعينيه. هل يمكنكم تصديق ذلك؟ أن تبتسم بعينيك؟! هذا لأن الشارب الودود الذي يزين وجهه كان يغطي شفتيه..».

هذا الكتاب المذكرات، «حرة FREE بلوغ الرشد عند نهاية التاريخ»، مثير للغاية وممتع وصيغ في نسق سردي يجعل القارئ يلهث، في نثرية سلسة شفافة، الجملة تسلُ من الجملة كالأمواج الناعمة تتلو بعضها، والسياق السردي يجعل المذكرات سيرة ذاتية، حيكت بمهل وتمعن ونظرة ثاقبة.

وهذا كتاب كتب لكل قارئ حصيف، غير عجول، متأنٍ متأمل، كي يمخر في عباب السهل غير الممتنع، فالساردة تفرش ذاتها، منذ نعومة الطفولة، كذات متفكرة وقلقة تجاه معيشها، هذه الطفلة النزقة تحيك النص بالجملة الأولي: «لم أسأل نفسي أبدا عن معنى الحرية...»، فيغدو النص كسؤال الحرية منذ المفتتح عندما تقف الراوية/ الألبانية «ليا يبَي» معانقة في بلادها تمثال «ستالين»، وبكل محموله الدلالي.

وعندما تبلغ الراوية في المذكرات سن الرشد تكون «نهاية التاريخ»، أيضا بكل محمول المصطلح وما أثاره منذ نحته وأصدره في كتاب المفكر الأميركي «فرنسيس فوكو ياما». وبهذا الكتاب «نوه لوك هاردينغ» في جريدة أوبزيرفر البريطانية: «رائع في طرافته وتأثيره، حكاية عن أسرار عائلية ويقظة سياسية وسط نظام متداع».

وفي تقديري أن نقطة ارتكاز الكتاب «ربيع تيرانا» ما يعادل «الربيع العربي»؟، هذه النقطة على أول السطر تنسج مضمون المذكرات، من سياق سردي نهجه السؤال والفضول المعرفي، المستقى من طفولة راوية المذكرات، ومِنْ ما يحيطها من غموض وكتمان ممنهج، ما يثيرها ويجعلها لحوحة تجاه عائلتها وسيرتها المصبوغة بالأسرار، في مجتمع مقموع من دولة متسلطة، يديرها الحاكم المطلق المتفرد «أنور خوجة».

بحنكة «ليا يبّي» تسرد وترصد حالتها كطفلة، حتى بلوغ الرشد ما يتحقق عند نهاية التاريخ، هذه العلاقة الجدلية بين أن تكون وأن تكون نهاية التاريخ. ثم إن مسرود المذكرات حاصل بين تفاصيل يومية هامشية، لكنها عتبة للمتغيرات الكبرى الرئيسة، وأحداث تمس البلاد بل العالم، كمثل موت الديكتاتور ثم سقوط امبراطورية الاتحاد السوفييتي. «ليا يبّي» بين هاذين القوسين، في الحياة وفي الكتاب، ساردة وقائع كوميديا سوداء، كاشفة عن تراجيديا عاشتها هي وألبانيا بلادها، في عهد «أنور خوجة»، ثم ما بعده حيث تفاقم أحوال البلاد، عندما تكون حرة دون حرية!، فالحال غدا الهجرة والهروب، من مأزق ما بعد سقوط الديكتاتورية، فالوقوع بين أيدي براثن حرب أهلية. وإن المذكرات مقاربة سردية حكائية، لمسألة تمس السرديات الكبرى كالماركسية والاشتراكية من خلال علائق مجتمعية سياسية ووقائع معيشية يومية.

الكتاب المذكرات أو السيرة الذاتية، تنسجه الكاتبة من تفاصيل يومها، لكن بروح المتسائل، من يتشكل وتنمو شخصيته من خلال دهشة المتسائل، وذا الدافع للإلحاح والتكرار، ما يصبغ النص بروح طفولية حتى النفس الأخير، ما يجعل القارئ أيضا في حال المندهش والمستمتع حتى بما يعرف.

ومما يلفت القارئ أيضا ما يشير إليه المترجم «فرج الترهوني»: المثير في سرد «ليا بيبي» لحكاية عائلتها، ولتاريخ ألبانيا الحديث، ما نراه من تماه شديد مع حكاية وطني ليبيا، وربما مع بلدان أخرى، شاء حظها العاثر، مع اجتماع ظروف معينة، بأن تقع بين سندان الظرف التاريخي المعقد ومطرقة الاستبداد...».

إن هذا التماهي المثير، ما أشار له «فرج الترهوني»، منحى شائك عند الإشارة إلى أهمية الكتاب، لأنه يبين المشترك ما هو مضمون الكتابة وموضوعها، ما هو حقيقة يذهب حد التماهي ما بين ألبانيا وليبيا، حد التفاصيل. ذاك ما قد يحرض «الترهوني» على ترجمة الكتاب، لكنه غير كاف للترجمة، بل قبل قد يعيق ويخلّ بالكتابة، بيد أنه في حال كتابنا، ما نقرأ هنا والآن، هو حال معاكس، ما شكل ونسج فرادة الكتاب ومتعته المثيرة، ما في ظني حث «لورا هاكيت»- جريدة صنداي تايمز- للقول: «أفضل كتاب قرأته.... كتب بأسلوب رائع يجعل أي شخص يتعلق به». ومما لا شك فيه أن التماهي المثير، ما أشار إليه المترجم، مع المفاضلة التي نالها الكتاب، يجعله حاثا للمترجم، أن يأخذ الكتاب بقوة، التي تظهرُ في الترجمة المميزة، العبقة بعرق المحب وشغفه.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»