Atwasat

سؤال الموت بين السيرة والفلسفة

سالم العوكلي الثلاثاء 26 أغسطس 2025, 12:44 مساء
سالم العوكلي

في إدراج بتاريخ 26 أبريل 2023 نشر نجيب الحصادي على صفحته: «على الرغم من أن للشعور بدنو الأجل نصيباً في الدوافع التي جعلتني أقدم على كتابة سيرتي الذاتية؛ فإني لم أشعر لحظة بالخوف من دنوّه. والحال أني أعتاد على تذكير نفسي، بين الفينة والأخرى، بتمائم تعوذني من الخوف من الموت، وتقنعني بعدم الخشية من قرب الأجل، أوّلها أن خوف المرء من الموت يقّربه من الموت، وهو مقارنة بأسباب تقريب الأجل المادية أسرع أثراً؛ وثانيها أن خوف المرء من الموت يتراكم، ومآله أن يسبب الرعب منه، ويحيل حياة المرء ما تبقى من عمره إلى جحيم قد يكون الموت أهون منه؛ وثالثها أن المرء لا يموت أصلاً، فهو في كل لحظة إما حي أو ميت، فإذا كان حياً فإنه ليس ميتاً، فلم الخشية من الموت؟ وإذا كان ميتاً، فإن الميت لا يموت، فلم الخشية من الموت؟ وكما يقول المتنبي: والخوف قبل الفراق عجز، والخوف لا يكون بعد الفراق».

على مدى التاريخ، ظل الهلع من فكرة الموت ملاحقاً للكائن البشري الذي تفرد بوعيه بفكرة الفناء وبوعيه بالشغف بالحياة، حتى وإن كانت دون الحياة كما ينبغي لها، ومن خلال هذا القلق أو الخوف أو الهلع انهالت الأساطير منذ وعي البشرية بإمكانية توظيف الخيال كآلية دفاعية ضد شبح الموت، ومن هذا الانهيال كان الفن التعويذة الأولى ضد الموت، أو ضد مبدأ الفناء. ومنذ ملحمة جلجامش، وعبر سيل من الأساطير والفنون وتجليات المخيلة، أصبحت فكرة الخلود الهاجس المسيطر على من لا يريدون للكائن البشري المتميز نهاية مروعة كأي كائن آخر فوق الأرض، لا يعي مفاهيم مثل الحياة والموت والزمن والخلود، بل لا تحضر في خلده فكرة النهاية من تلك الكائنات الخرساء التي تحولت حياتها قرابين لتستمر حياة الإنسان.

ومن هذا الدافع النرجسي لدى الإنسان المرعوب من فكرة أن يمضي إلى العدم مثل تلك الدواب التي تتعفن في الخلاء، كان يخترع البدائل التي جادلت بشأنها الأساطير والخرافات والأديان والفلسفات والفنون، وكانت العقائد القديمة حتى قبل أديان التوحيد تؤمن بلزوم حياة أخرى لهذا الكائن النرجسي المأخوذ بفكرة الخلود، وفي تلك المجتمعات القديمة كانت توضع مع الميتين في القبور أشياء تفيدهم في الحياة الأخرى بعد البعث، وظلت أسطورة البعث قائمة إلى أن ثبتتها أديان التوحيد، كل دين بطريقته، كتجسيد لهاجس الخلود الموعود به الإنسان من ناحية وحتمية الثواب والعقاب من ناحية أخرى، سواء كان في النعيم أو الجحيم، بينما ذهبت عقائد أخرى إلى فلسفة الكارما أو ما يسمى تناسخ الأرواح، انطلاقاً من مثنوية الجسد الفاني والروح الخالدة، وإن جوهر الوجود هي الروح، دون أن تتخلى هذه العقيدة عن تقنيات العقاب والثواب بناء على تحولات هذه الروح في كائنات مادية تكون قيمتها في الحياة التالية بقدر أعمال الإنسان في كينونته السابقة من خير أو شر.

ملحمة جلجامش كان هاجسها الخلود الذي تمثل في الوصول إلى عشبته التي تقف دونها مصاعب وعوائق جمة يصعب تجاوزها، وقضى جلجامش قبل وصوله لهذه الغاية، لكن مجرد ذكري له في هذه المقالة يدل على أنه نال الخلود بطريقة أخرى، ليس المادي عبر تناوله لعشبته، ولكن ناله عبر الفن، وعبر هذه الملحمة الشعرية التي خلدته، وأعتقد أن هذه غاية كل شخص اختار أن يطرق باب الفنون بكل أنواعها، حيث الهلع من النهاية أو الفناء يعالجه بترك أثر جمالي خلفه يجعل اسمه متداولاً أكثر من الكثيرين من الأحياء الذين يدبون على أقدامهم.

كثيراً ما أصادف ملاحظات تتأسى على تكريم الفنان أو الكاتب بعد موته وإهماله خلال حياته، غير أن سر الفن أو الإسهام في معمار الكون الجمالي يكمن تماماً في هذا التكريم بعد الموت، ومن يسعى لتكريم أثناء حياته فإنه لم يعتنق هذه الفكرة، وغالباً ما يكون على دراية بأن ما يكتبه أو يرسمه أو يؤلفه من فنون عدة سيموت معه لأنه غير قابل للمضي بعده، لكن في النهاية حلم الفنان وغايته أن يكرم ويذكر بعد موته، والجحود الحقيقي أن يكرم مراراً أثناء حياته ثم ينتهي كأي كائن آخر لم تداعب خياله فكرة الأبدية.

كثيراً ما خضت مع نجيب حوارات تتعلق بهذه الأفكار ودائماً كنت أجده (مثلي) متصالحاً مع فكرة الموت، وهو أمر يصله من وصل إلى الشعور بأنه أنجز أثناء حياته ما يكفيه للبقاء بعدها، بل إن الكد والتعب في الحياة يجعلك تشعر أنك عشت حياة طويلة، وحين بعث لي مسودة ترجمته لكتاب تاريخ موجز للفلسفة وقفت طويلا أمام رؤى الفلسفة الرواقية حيال الموت، وتلقائياً وجدتها ذخيرة لروايتي جريمتك يا قرنفل لشخصية الرواية المخطوف من جماعة إرهابية ويعيش أصعب الأوقات قبل الحكم عليه بالموت، وكان تذكر أقوال الراقيين ودعوتهم للتفكير بأسلوب فلسفي الوسيلة لحمايته من هذا الرعب.

فكما يقول نجيب في إدراجه الخوف من الموت يقربك من الموت، وهو هنا لا يعني أنه يقصر حياتك، ولكن عيش هذا الخوف يجعلك لا تستمتع بما أتيح من العيش، والخوف من أي شيء يتهددك يجعلك تعيشه من الأساس، بمعنى الخوف من الموت يجعلك تكمل حياتك ميتاً، ورغم ذلك سنظل نتشبث بأسلوب حياة يطيل أعمارنا ونذهب إلى المؤسسات الطبية ونعالج رغم تصالحنا مع الفكرة، ويظل التشبث بالحياة مهما كانت قسوتها غريزة في كل الكائنات التي تعي الموت أو لا تعيه ربما، وكما يشير نجيب فإن التفكير في كتابة سيرة ذاتية مرتبط، أو أحد دوافعه الخوف من الموت وما يعقبه من انمحاء تجربة إنسان كان له أثر في محيطه، ويقول الفيلسوف الإنجليزي سيمون كريشلي: «أعتقد أن هناك رابطاً أساسياً بين السيرة والفلسفة» موضحاً هذا الرابط بتفسير فلسفة سقراط بناء على سيرة حياته والعكس، ويستطرد كريشلي: «ارتبطت الفلسفة في العالم القديم ارتباطاً حميماً بالفلسفة كأسلوب للحياة. إذاً حياة الفلاسفة مدخل أساسي للدراسة». وربما هذا الجانب ما جعلني ألح على الصديق نجيب ــ الذي لا يحب الحديث عن نفسه ــ أن يكتب سيرته، حيث ستكون الكتاب الأهم مع ما ألفه وما ترجمه من كتب مهمة.

وفي لقاءاتنا الأخيرة كان معظم الحديث يدور حول الذكاء الاصطناعي الذي كان نجيب يلج عالمه وشطحاته من باب اختصاصه في فلسفة العلوم، وأذكر حديثنا عن علاقة الذكاء الاصطناعي بفكرتي الموت والخلود، انطلاقاً من سؤال طرحه أحد المحاضرين فيه: «هل نريد حقاً الوصول إلى مفهوم الخلود الافتراضي؟» وهو يمثل حالة تطور علمي لما كان يسمى في الشعوذة تحضير الأرواح حيث تُطور هذه التقنية نُسخاً رقمية دقيقة للمتوفين، وعبر تدريب روبوت خاص على طريقة شخص نحبه في الكلام والأفكار يمكن الدردشة مع الراحل وطرح أسئلة جديدة عليه وربما فهم أفكار وطيدة به لم يقلها في حياته، وثمة شركات الآن تعرض دعايات لبيع الخلود الرقمي.

أثناء كتابة هذه المقالة وصلني إشعار من الـ«فيسبوك» مفاده «اليوم عيد ميلاد هند اشقيفة . يمكنك إرسال تهنئة إليها بأطيب الأمنيات». والصديقة هند رحلت منذ أعوام، ولم أتردد في بعث تهنئة لها أينما كانت، وحين فتحت على صفحتها وجدت أنها مازالت تعمل ويشارك فيها عديد من أصدقائها منشوراتهم، بل وجدت بعض التهاني والأمنيات بيوم ميلادها منشورة منذ ساعات، وهنا يدخل العالم الافتراضي على خط الرغبة في البقاء بعد الموت ليهب فرصة بقاء الاسم فاعلاً بعد رحيل صاحبه، فحتى قبل الذكاء الاصطناعي لكل منا حساب في هذا العالم السيبراني يظل يعمل ويبعث الإشارات ويخاطب الآخرين حتى بعد رحيل صاحبه، وكثيراً ما يخبرني الـ«فيسبوك» بمواعيد أعياد ميلاد أصدقاء رحلوا منذ سنوات.

الحديث كله هنا عن الموت الفردي والموت الطبيعي، لكن حين يأخذ الموت شكلاً آخرَ جماعياً وغير طبيعي، يتحول إلى ما نسميه كارثة أو إبادة، حين تشترك في إدارته الأيديولوجيا والسياسة والجشع وغيرها من الآفات البشرية التي تجعل من الإنسان الخائف يرى في موت الآخر وسيلة للحفاظ على حياته، وعبر هذا الهلع ارتُكِبت عبر التاريخ مجازر جماعية وحروب إبادة.

ينتقل الموت إلى مفهوم آخر وهو القتل، قتل الإنسان للإنسان، وحين يكون هذا القتل محاطاً بالرعب والخوف يجعل من فكرة الموت التي تصالح معها الإنسان واخترع لها ما يجعل منها رحلة إلى مكان آخر، تدخل نطاق الجريمة، سواء كان القتل فردياً في مشاجرة أو جماعياً في حروب لا تبقي ولا تذر، ويخرج الموت من حيز القلق الفلسفي إلى عالم القلق الأخلاقي، وتصبح نشرات الأخبار برامج لإحصاء القتلى اليوميين من البشر العُزّل كما يحدث الآن في غزة، ونتيجة هذا التكرار الممض يصاب الضمير الإنساني بصدمة يعقبها خدر وبرود، بينما من يعانون هذا الشقاء يستنجدون بعالم أخرس. يضرب العبث أطنابه في فكرة الموت المؤرقة، وتصبح ولادة الأطفال في الجحيم مشروع مأساة يتفرج عليها العالم يومياً حين تصبح المسافة بين المهد واللحد أياما أو ساعات.

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»