ترتسم اليوم محنتنا عبر خيط دم طويل يربط طرابلس 2014 ببنغازي اليوم. منذ حادثة اختطاف الناشط عبد المعز بانون التي برزت كنذير للانفلات الحقوقي وبروفة مبكرة للإفلات من العقاب؛ من ذلك الجرس الأول الذي دق ثم أُسكت، لتتعلم بلادنا كيف تتعايش مع الغياب وكأنه قدر لا يُجادل!
من هناك بدأت اللغة تتواطأ مع الرصاصة، وبدأت الدولة تتخفى في ظل الميليشيا، وبدأ المجتمع يُدرب على فنون التسامح مع الترويع إذا جاء مختوماً باسم «الاستقرار».
حين وصلت المأساة إلى سهام سرقيوة، لم تصل دفعة واحدة. بل جاءت على جرعات متدرجة تتقن ترويض الفجيعة والآن–على عكس بانون–ثمة تسريب صوت مجهول، صور غير واضحة، حركة مبتورة توضح لكنها لا تنتج يقيناً شخصياً ولا قانونياً، ثم تسريب ملامح شبه متخيلة للضحية.
وكما يقول ميشيل فوكو بما معناه «ليست السلطة في أقصى قوتها حين تُطلق الرصاص، بل حين تدرب الناس على أن يصمتوا قبل أن يُطلق. إن الرعب الحقيقي ليس في العنف المباشر، بل في تطبيع حضوره في اللغة والذاكرة».
هكذا تدار الوحشية: لا صدمة كاملة تهز الضمير، بل صدمة بالتقسيط، تتسرب إلى «الرئة العامة» حتى تغدو قابلة للتنفس. تقنية تلميح بارد تُحوّل الجريمة إلى مجرد محتوى، والقتل إلى سردية «مزعومة» والحق إلى مادة للأرشفة والسجلات.
مؤسف ومحرج عودتنا لعالم (Big Brother) وحياتنا المزدوجة، ارتياح ظاهر وخوف مُستبطن، يبدأ الأمر من واجب عدالة وحق الإنسان إلى مجرد لوحة تؤثث–بفخر مزعوم ومخجل–متحف الوجدان الوطني المهجور.
هذه ليست تفاصيل عابرة؛ بل هندسة ممنهجة لإدارة النسيان. يُختطف الجسد أولاً، ثم يُختطف الدليل، ثم تُختطف اللغة ذاتها كي تقول أقلامنا او ألسنتنا أقل مما يلزم.
ومع كل خطوة في التسريبات المبتسرة والغامضة والمشوهة ورديئة الصورة، تُنقل الواقعة خطوة من خانة الجريمة إلى خانة الاعتياد ثم التاريخ المحض بلا توصيف، ومن فظاعة مخزية إلى «هدرزة» قابلة للتناقل، ولو بهمس يطلب اللياقة واللباقة….. والأمان.
القول والتصريح اختبار يومي للشجاعة الفردية، حتى والرعب يتضخم خلف الإرادات الأمنية، وتتقدم جحافل الحشود الإلكترونية القادرة على تطبيع الوحشية بالتبرير والتعليل، ويصير القاتل مجهولاً بالاتفاق، والمقتول معروفاً بالتعتيم.
كل هذا الصمت، التجاهل، المقارنة، التخفيف، التهوين، الانتظار، الجدل… ليست تنويعات أخلاقية، بل أسماء حركية لهروب واحد من المرآة. في هذا الحقل تتحول الضحية إلى مجرد موضوع كسقوط جسر في بروكلين الأميركية، واختفاء عضو برلمان أو ناشط معروف إلى «خلاف»، والعدالة إلى ترف مؤجل.
ما لم نسم الأشياء بأسمائها العارية، سيواصل التسريب المتدرج مهمته حتى نعتاد أن نموت لأن غيرنا مثيرون قعد مروا بذلك (وكيف الناس لا باس !!).
أي فخر لوطن يطرد امرأة من الوجود لأنها قالت (لا) ثم يشرح فاجعتها بالتقسيط كي يعتادها الناس؟ أعلى درجات الإفلات من العقاب أن نفسر ثم لنبرر القسوة، أن نمنح الطغيان صكاً مصدقاً بالتخطي فالقادم أفضل.
يا نحن، فلنكتب الأسماء قبل الحكايات، والوقائع قبل التأويلات، واثبتوا أن اللغة لا تُستخدم لتسكين الوجع بل لاستدعاء الحساب.
من عبد المعز بانون إلى سهام سرقيوة–وما بينهما وما بعدهما–كل تسريب لا يسمي القاتل، ليس كشفا للحقيقة، بل تدريب جماعي على اعتياد غيابها.
ونعود لفوكو خبير نقد السلطة وتحليل فلسفة السجون بما مفاده «كل جريمة تُسجَّل بلا اسم للقاتل، ليست نقصاً في الدليل، بل تمرين على صناعة النسيان. فالسلطة الحديثة لا تُخفي الحقيقة تماماً، بل تُقطّرها على جرعات حتى تفقد قيمتها كحقيقة. والإفلات من العقاب ليس فراغًا بل تقنية سلطة».
وهذا بالضبط ما يُراد لنا؛ أن نعيش موتنا على دفعات، وأن نصير شهوداً صامتين على غياب الحقيقة، حتى نصدق أن الغياب نفسه قدر.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات