Atwasat

من بانون إلى سرقيوة: بناء الرعب وسرقة الغضب بالتسريب ..

طارق القزيري الأحد 24 أغسطس 2025, 03:45 مساء
طارق القزيري

ترتسم‭ ‬اليوم‭ ‬محنتنا‭ ‬عبر‭ ‬خيط‭ ‬دم‭ ‬طويل‭ ‬يربط‭ ‬طرابلس‭ ‬2014‭ ‬ببنغازي‭ ‬اليوم‭. ‬منذ‭ ‬حادثة‭ ‬اختطاف‭ ‬الناشط‭ ‬عبد‭ ‬المعز‭ ‬بانون‭ ‬التي‭ ‬برزت‭ ‬كنذير‭ ‬للانفلات‭ ‬الحقوقي‭ ‬وبروفة‭ ‬مبكرة‭ ‬للإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب؛‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الجرس‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬دق‭ ‬ثم‭ ‬أُسكت،‭ ‬لتتعلم‭ ‬بلادنا‭ ‬كيف‭ ‬تتعايش‭ ‬مع‭ ‬الغياب‭ ‬وكأنه‭ ‬قدر‭ ‬لا‭ ‬يُجادل‭!‬

من‭ ‬هناك‭ ‬بدأت‭ ‬اللغة‭ ‬تتواطأ‭ ‬مع‭ ‬الرصاصة،‭ ‬وبدأت‭ ‬الدولة‭ ‬تتخفى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الميليشيا،‭ ‬وبدأ‭ ‬المجتمع‭ ‬يُدرب‭ ‬على‭ ‬فنون‭ ‬التسامح‭ ‬مع‭ ‬الترويع‭ ‬إذا‭ ‬جاء‭ ‬مختوماً‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الاستقرار‮»‬‭.‬

حين‭ ‬وصلت‭ ‬المأساة‭ ‬إلى‭ ‬سهام‭ ‬سرقيوة،‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭. ‬بل‭ ‬جاءت‭ ‬على‭ ‬جرعات‭ ‬متدرجة‭ ‬تتقن‭ ‬ترويض‭ ‬الفجيعة‭ ‬والآن–على‭ ‬عكس‭ ‬بانون–ثمة‭ ‬تسريب‭ ‬صوت‭ ‬مجهول،‭ ‬صور‭ ‬غير‭ ‬واضحة،‭ ‬حركة‭ ‬مبتورة‭ ‬توضح‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تنتج‭ ‬يقيناً‭ ‬شخصياً‭ ‬ولا‭ ‬قانونياً،‭ ‬ثم‭ ‬تسريب‭ ‬ملامح‭ ‬شبه‭ ‬متخيلة‭ ‬للضحية‭.‬

وكما‭ ‬يقول‭ ‬ميشيل‭ ‬فوكو‭ ‬بما‭ ‬معناه‭ ‬‮«‬ليست‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬قوتها‭ ‬حين‭ ‬تُطلق‭ ‬الرصاص،‭ ‬بل‭ ‬حين‭ ‬تدرب‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يصمتوا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُطلق‭. ‬إن‭ ‬الرعب‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬العنف‭ ‬المباشر،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تطبيع‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬والذاكرة‮»‬‭.‬

هكذا‭ ‬تدار‭ ‬الوحشية‭: ‬لا‭ ‬صدمة‭ ‬كاملة‭ ‬تهز‭ ‬الضمير،‭ ‬بل‭ ‬صدمة‭ ‬بالتقسيط،‭ ‬تتسرب‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الرئة‭ ‬العامة‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬تغدو‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفس‭. ‬تقنية‭ ‬تلميح‭ ‬بارد‭ ‬تُحوّل‭ ‬الجريمة‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬محتوى،‭ ‬والقتل‭ ‬إلى‭ ‬سردية‭ ‬‮«‬مزعومة‮»‬‭ ‬والحق‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬للأرشفة‭ ‬والسجلات‭.‬

مؤسف‭ ‬ومحرج‭ ‬عودتنا‭ ‬لعالم‭ (‬Big Brother‭) ‬وحياتنا‭ ‬المزدوجة،‭ ‬ارتياح‭ ‬ظاهر‭ ‬وخوف‭ ‬مُستبطن،‭ ‬يبدأ‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬واجب‭ ‬عدالة‭ ‬وحق‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬لوحة‭ ‬تؤثث–بفخر‭ ‬مزعوم‭ ‬ومخجل–متحف‭ ‬الوجدان‭ ‬الوطني‭ ‬المهجور‭.‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬تفاصيل‭ ‬عابرة؛‭ ‬بل‭ ‬هندسة‭ ‬ممنهجة‭ ‬لإدارة‭ ‬النسيان‭. ‬يُختطف‭ ‬الجسد‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬يُختطف‭ ‬الدليل،‭ ‬ثم‭ ‬تُختطف‭ ‬اللغة‭ ‬ذاتها‭ ‬كي‭ ‬تقول‭ ‬أقلامنا‭ ‬او‭ ‬ألسنتنا‭ ‬أقل‭ ‬مما‭ ‬يلزم‭.‬

ومع‭ ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬في‭ ‬التسريبات‭ ‬المبتسرة‭ ‬والغامضة‭ ‬والمشوهة‭ ‬ورديئة‭ ‬الصورة،‭ ‬تُنقل‭ ‬الواقعة‭ ‬خطوة‭ ‬من‭ ‬خانة‭ ‬الجريمة‭ ‬إلى‭ ‬خانة‭ ‬الاعتياد‭ ‬ثم‭ ‬التاريخ‭ ‬المحض‭ ‬بلا‭ ‬توصيف،‭ ‬ومن‭ ‬فظاعة‭ ‬مخزية‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬هدرزة‮»‬‭ ‬قابلة‭ ‬للتناقل،‭ ‬ولو‭ ‬بهمس‭ ‬يطلب‭ ‬اللياقة‭ ‬واللباقة‮…‬‭.. ‬والأمان‭.‬

القول‭ ‬والتصريح‭ ‬اختبار‭ ‬يومي‭ ‬للشجاعة‭ ‬الفردية،‭ ‬حتى‭ ‬والرعب‭ ‬يتضخم‭ ‬خلف‭ ‬الإرادات‭ ‬الأمنية،‭ ‬وتتقدم‭ ‬جحافل‭ ‬الحشود‭ ‬الإلكترونية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬تطبيع‭ ‬الوحشية‭ ‬بالتبرير‭ ‬والتعليل،‭ ‬ويصير‭ ‬القاتل‭ ‬مجهولاً‭ ‬بالاتفاق،‭ ‬والمقتول‭ ‬معروفاً‭ ‬بالتعتيم‭.‬

كل‭ ‬هذا‭ ‬الصمت،‭ ‬التجاهل،‭ ‬المقارنة،‭ ‬التخفيف،‭ ‬التهوين،‭ ‬الانتظار،‭ ‬الجدل‮…‬‭ ‬ليست‭ ‬تنويعات‭ ‬أخلاقية،‭ ‬بل‭ ‬أسماء‭ ‬حركية‭ ‬لهروب‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬المرآة‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحقل‭ ‬تتحول‭ ‬الضحية‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬موضوع‭ ‬كسقوط‭ ‬جسر‭ ‬في‭ ‬بروكلين‭ ‬الأميركية،‭ ‬واختفاء‭ ‬عضو‭ ‬برلمان‭ ‬أو‭ ‬ناشط‭ ‬معروف‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬خلاف‮»‬،‭ ‬والعدالة‭ ‬إلى‭ ‬ترف‭ ‬مؤجل‭.‬

ما‭ ‬لم‭ ‬نسم‭ ‬الأشياء‭ ‬بأسمائها‭ ‬العارية،‭ ‬سيواصل‭ ‬التسريب‭ ‬المتدرج‭ ‬مهمته‭ ‬حتى‭ ‬نعتاد‭ ‬أن‭ ‬نموت‭ ‬لأن‭ ‬غيرنا‭ ‬مثيرون‭ ‬قعد‭ ‬مروا‭ ‬بذلك‭ (‬وكيف‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬باس‭ !!).‬

أي‭ ‬فخر‭ ‬لوطن‭ ‬يطرد‭ ‬امرأة‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬لأنها‭ ‬قالت‭ (‬لا‭) ‬ثم‭ ‬يشرح‭ ‬فاجعتها‭ ‬بالتقسيط‭ ‬كي‭ ‬يعتادها‭ ‬الناس؟‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬أن‭ ‬نفسر‭ ‬ثم‭ ‬لنبرر‭ ‬القسوة،‭ ‬أن‭ ‬نمنح‭ ‬الطغيان‭ ‬صكاً‭ ‬مصدقاً‭ ‬بالتخطي‭ ‬فالقادم‭ ‬أفضل‭.‬

يا‭ ‬نحن،‭ ‬فلنكتب‭ ‬الأسماء‭ ‬قبل‭ ‬الحكايات،‭ ‬والوقائع‭ ‬قبل‭ ‬التأويلات،‭ ‬واثبتوا‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬لا‭ ‬تُستخدم‭ ‬لتسكين‭ ‬الوجع‭ ‬بل‭ ‬لاستدعاء‭ ‬الحساب‭.‬

من‭ ‬عبد‭ ‬المعز‭ ‬بانون‭ ‬إلى‭ ‬سهام‭ ‬سرقيوة–وما‭ ‬بينهما‭ ‬وما‭ ‬بعدهما–كل‭ ‬تسريب‭ ‬لا‭ ‬يسمي‭ ‬القاتل،‭ ‬ليس‭ ‬كشفا‭ ‬للحقيقة،‭ ‬بل‭ ‬تدريب‭ ‬جماعي‭ ‬على‭ ‬اعتياد‭ ‬غيابها‭.‬

ونعود‭ ‬لفوكو‭ ‬خبير‭ ‬نقد‭ ‬السلطة‭ ‬وتحليل‭ ‬فلسفة‭ ‬السجون‭ ‬بما‭ ‬مفاده‭ ‬‮«‬كل‭ ‬جريمة‭ ‬تُسجَّل‭ ‬بلا‭ ‬اسم‭ ‬للقاتل،‭ ‬ليست‭ ‬نقصاً‭ ‬في‭ ‬الدليل،‭ ‬بل‭ ‬تمرين‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬النسيان‭. ‬فالسلطة‭ ‬الحديثة‭ ‬لا‭ ‬تُخفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬تماماً،‭ ‬بل‭ ‬تُقطّرها‭ ‬على‭ ‬جرعات‭ ‬حتى‭ ‬تفقد‭ ‬قيمتها‭ ‬كحقيقة‭. ‬والإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬ليس‭ ‬فراغًا‭ ‬بل‭ ‬تقنية‭ ‬سلطة‮»‬‭.‬

وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬يُراد‭ ‬لنا؛‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬موتنا‭ ‬على‭ ‬دفعات،‭ ‬وأن‭ ‬نصير‭ ‬شهوداً‭ ‬صامتين‭ ‬على‭ ‬غياب‭ ‬الحقيقة،‭ ‬حتى‭ ‬نصدق‭ ‬أن‭ ‬الغياب‭ ‬نفسه‭ ‬قدر‭.‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»