في خضم تصاعد التوترات السياسية، تتعرض الانتخابات البلدية لهجمات ممنهجة تهدف إلى إجهاض العملية السياسية، في مشهد يعكس صراعاً محموماً بين إرادة الشعب ومحاولات قمعها.
هذه الهجمات، التي تجمع بين العنف المسلح والتدمير المتعمد، ليست مجرد أعمال فوضى، بل استراتيجية مدروسة تهدف إلى منع إحياء العملية السياسية، وإبقاء البلاد في دوامة الفوضى والاستبداد.
في المناطق الشرقية والجنوبية، تُفرض سيطرة حديدية تمنع إجراء الانتخابات البلدية، حيث تستخدم الجماعات المسلحة هناك، والتي تعمل بمنطق ديكتاتوري صرف، السلاح لترهيب الناخبين وإسكات صوتهم.
وفي الغرب، تفجيرات واشتعال النيران في مراكز انتخابية ومبانٍ تابعة للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في أعمال تخريب متعمدة تهدف إلى تعطيل العملية الانتخابية.
هذه الأفعال، التي تنفذها أيادٍ غادرة، ليست عشوائية، بل جزء من مخطط لإفشال الانتخابات أمام أنظار المجتمع الدولي، لضمان استمرار قبضة الأطراف التي فقدت شرعيتها الدستورية والشعبية على السلطة في البلاد.
تكمن وراء هذه الهجمات دوافع سياسية عميقة. فالانتخابات البلدية ليست مجرد إجراء إداري عادي، بل هي حجر زاوية في إعادة بناء النظام السياسي في البلاد. نجاحها سيفتح الطريق أمام انتخابات برلمانية ورئاسية، وهو ما يثير رعب الأطراف التي تعيش على هامش الشرعية. هذه القوى، التي تعلم يقيناً أنها لن تجد مكاناً لها في صناديق الاقتراع النزيهة، تخشى من مواجهة مصيرها أمام العدالة. فإن تمت هذه الانتخابات، قد تعني نهاية نفوذها، وربما محاسبتها على انتهاكاتها السابقة.
«إنهم يقاتلون من أجل بقائهم السياسي»، يقول أحد المحللين السياسيين، مشيراً إلى أن هذه الأطراف تستخدم العنف كأداة للحفاظ على سلطتها غير الشرعية. «لكنهم يدركون أن إرادة الشعب، إذا أُتيحت لها الفرصة، ستطيح بهم». هذا الخوف يدفع هذه القوى إلى تصعيد هجماتها، مستخدمة أساليب الحديد والنار لإجهاض أي أمل في استعادة العملية السياسية من مخالبها.
تمثل الانتخابات البلدية أكثر من مجرد اختيار ممثلين محليين؛ إنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة على استعادة الاستقرار السياسي وبناء نظام ديمقراطي عادل. هذه الانتخابات تمنح المواطنين فرصة للمشاركة المباشرة في صنع القرار، وتعزز من إحساسهم بالمسؤولية تجاه مجتمعاتهم. إفشالها لا يعني فقط حرمان المواطنين من حقهم الديمقراطي، بل يعمق الانقسامات الاجتماعية والسياسية، ويطيل أمد الأزمة التي تعاني منها البلاد.
علاوة على ذلك، فإن نجاح الانتخابات البلدية سيرسل إشارة قوية إلى المجتمع الدولي بأن الشعب قادر على استعادة سيادته السياسية. على النقيض، فإن فشلها سيمنح القوى المناهضة للديمقراطية مبرراً للاستمرار في سياساتها القمعية، وسيعزز من نفوذها في ظل غياب الشرعية.
وفي مواجهة هذه التحديات، يبرز دور المجتمع الدولي كعامل حاسم في دعم العملية السياسية الحقيقية وليست الوهمية. إن توفير مراقبة دولية مستقلة، إلى جانب فرض عقوبات صارمة على الجهات التي تعرقل الانتخابات، يمكن أن يحد من قدرة هذه القوى على التخريب. كما دعا نشطاء حقوقيون إلى تعزيز الدعم الدولي للمؤسسات المحلية التي تسعى لضمان نزاهة الانتخابات، بما في ذلك حماية الناخبين والبنية التحتية الانتخابية.
فأقول إلى الشعب والعالم
إن الهجمات التي تستهدف الانتخابات البلدية ليست مجرد اعتداء على عملية انتخابية، بل هي هجوم على إرادة شعب يتوق إلى العدالة والاستقرار السياسي. فالديمقراطية، التي تُبنى بالصبر والتضحيات، لا يمكن أن تُهزم بسهولة إذا ما وقف الشعب موحداً خلفها.
إلى المجتمع الدولي، نقول: اتركوا هذا الشعب يقود معركته بنفسه من أجل الحرية. وإلى الشعب، نقول: صوتكم هو سلاحكم، وإرادتكم هي الدرع التي ستحمي مستقبلكم.
في النهاية، الديمقراطية ليست مجرد نظام حكم، بل هي تعبير عن كرامة الإنسان وحقه في تقرير مصيره. ومهما اشتدت هجمات الحديد والنار، فإن إرادة شعب مصمم على استعادة حقوقه ستبقى أقوى من كل المحاولات لقمعها.
فلنقف معاً، شعباً ومجتمعاً دولياً، من أجل مستقبل يسوده العدل والاستقرار في ليبيا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات