Atwasat

نوميديون

منصور بوشناف الخميس 21 أغسطس 2025, 07:34 مساء
منصور بوشناف

حين تكونت دولة كبيرة وقوية لسكان الشمال الأفريقي، «لا أحد يعرف ما سماها أهلها» ولكن الأوروبيين سموها «نوميديا» وكما ترون فالاسم يبدو فاخرا، «براند متميز» يصلح الآن لأن يكون اسم «حذاء رياضي أو تي شيرت أنثوي أو فرقة روك أند رول أو حتى دولة يمكن إلحاقها بالاتحاد الأوروبي»، اسم مبهر لا شك، يمكن أن يخرجنا من قمامة هذا العالم الثالث إلى جنان الحداثة والمدنية، فنحن وكما ترون وبهذا الاسم الأوروبي ننجز خروجنا من صحراء العرب وخيام البدو إلى جنان الحداثة والمدنية ونحقق انتصار القصور على الخيام.

نوميديا نمت وتوحدت وصارت دولة كبيرة ومهمة في حوض المتوسط بعد تحالف مؤسسيها مع روما، للقضاء على قرطاج ذات الأصل الفينيقي، وتلقيها للدعم العسكري من روما لإنجاز مشروع دولة نوميديا، ولكن الأوروبيين أو الرومان في ذلك الوقت وكما ظلوا دائما، عملوا على تفتيتها وإعادتها إلى ما كانت عليه «قبائل وزعامات متصارعة» ليتم بعد ذلك إلحاقها بروما كمستعمرة رومانية بالتمام والكمال، وكل ذلك بعد إنجاز تدمير قرطاج وتحول «هانيبال» إلى نازح مشرد لينتحر وكما لو كان سقراط متجرعا السم بعد تجرع سم الهزيمة.

كانت معركة التأسيس والتطوير لهذه النوميديا قد أخذت شكل الحرب المقدسة للتوحيد والأهم للتوطين والاستقرار، وتحويل مجتمعهم إلى مجتمع الزراعة وإنشاء الحواضر بدل حياة الترحال والرعي والتقاتل على غنائم الماء والكلأ، كانت روما مثلهم المبهر وحليفهم العظيم في تلك المعارك، ولذا تأسست عاصمتهم الكبرى «سيرتا» على أحدث طرز ذلك الزمن، لتنافس روما كما فعلت جارتهم قرطاج.

بالطبع لا علاقة لتلك «السيرتا» بسرت الليبية، فتلك السيرتا هي قسنطينة الجزائرية الحديثة، لينتصر التحضر على البدونة والقصر على الخيمة، وكل ذلك كان مبهرا وملهما، ولكن الملحمة تحولت إلى مهزلة حين فشلت تلك الحواضر وتلك الدولة على الانتقال بأهلها من ثقافة الترحال إلى ثقافة الاستقرار ومن ثقافة القبيلة والدم والأنساب إلى عصبية الدولة والوطن، من ثقافة صراع الخيمة والقصر إلى صراع الدول والإمبراطوريات، لتنطلق فصول المهزلة «صراع جهويات وأبناء حكام، صراع ريف وحواضر وبدو وحضر» لتتفتت نوميديا إلى ممالك متناحرة ومتآمرة مع روما ضد بعضها البعض «إن نوميديا أخذت تأكل لحم ذراعيها» نادبة بجنون على كيانها وهو يتفتت ولحمها الذي يلتهمه لحمها الآخر.

اسم «نوميديا» اللاتيني الفاخر لم يكن يعني إلا «بلاد البدو»، كان سكان جغرافيا الشمال الأفريقي بالنسبة للثقافة الرومية اللاتينية ليسوا إلا «نوماد» أو «بدوا» كما لازالت الكلمة تعني في غالبية اللغات الأوروبية إلى اليوم، وظل الصراع بينهم في عيون روما ليس صراع بدو وحضر، بل صراع بدو وبدو، وليس صراع خيمة وقصر بل صراع خيمة «بمحمولها الثقافي» وخيمة أخرى، عصبيات حمقاء قابلة للتناحر والتفتت برعايتها.
كان شعار «لا لنومدت نوميديا» أو «لا لبدونة بلاد البدو» مضحكا ومثيرا للشفقة فبعضهم اعتقد انه ليس نوميديا في عيون روما.

«ماسينيسا» أهم وأكبر ملوك نوميديا، كان يعرف على ما يبدو معني «النوميدي» لذا وفي أوج مجده وقوته وحتى غروره رفع شعار «أفريقيا للأفريقيين» متحديا حليفه الذي رعاه وحماه وناصره طويلا، أعني متحديا «روما» ولم يكتفِ بنوميديا فقط، والأهم متخطيا إلى هوية جامعة أكبر هي «الأفريقية بدل بلاد البدو النوميديا»، لينتهي به الأمر وبمملكته نتفا تذروها رياح القبائل، وبأمجاده، لينتهي أسيرا وقتيلا ذليلا في روما، ليمزق النميديون نوميديا برعاية روما كما ظلوا يفعلون عبر التاريخ.

وكما يقول الليبيون «الكلام بلا معنى سفاهة» فإنني أقول لكم وعلى طريقة عجائزكم «يا أحفاد نوميديا، أيها النوميديون إن روما لا تراكم جميعا إلا نوميدين أعني «بدوا» ولستم في الحقيقة إلا كذلك» ولا ترى مستقبلكم إلا إمارات ومشيخات بقيمة ومساحة حقل نفط، وإن قصوركم ليست إلا خياما وإن زينتها لوحات «سلفادور دالي» وإن شيوخكم وزعماءكم ليسوا إلا «ماسينيسا» المحكوم بالأسر والإعدام، وحتى إن تطاولت قصور «سيرتا» فهي ليست إلا خياما ولا ترجمة لنوميديين إلا «البدو» بالنسبة لروما الحديثة، وإن تفتيتهم واجب روماني مقدس، لتظل روما قوية ومجيده، فتبينوا أيها البدو، أيها النوميديون في سيرتا أو طرابلس أو بنغازي أو جادو أو طيلمون أو غات أو غدامس، في كل نجوع هذا المفتت الذي نسميه «ليبيا».

هامش: تقول بعض الروايات إن أسرة «ماسينيسا»، هاجرت من قورينا إلى قرطاج بتونس الحديثة ليشق حفيدها «ماسينيسا» طريقه إلى الملك بمساعدة روما ضد قرطاج، ثم الأسر والإعدام أيضا على يد روما.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»