أجمل ما في التصوف سمو النفس والترفع عن الدنيا، ومن عيوبه التواكل والسلبية. وقد تكون الصوفية أسلوب حياة ينشأ من البساطة ويكثر في المجتمعات المنعزلة. لكن أن نلصقها كطريقة تقرب لله وأسلوب عبادة، هنا نقف لنفكر ونراجع.
تنشأ المدارس الفكرية المتنوعة كجزء من التفاعل بين الناس ومحيطهم. ومع اختلاف مشارب الناس تتكون الفرق المتشابهة في طريقة التفكير والإيمان بالمبادئ نفسها بحيث يسهل التقارب والعيش المشترك في البيئة الواحدة. ويهرب بعض الناس من مشاكل الحياة إلى داخل أنفسهم ويكتفون براحة البال هروباً عن الخوض في غمار معترك الحياة القاسي.
الصوفية هل هي فكر أم فلسفة حياة؟ وأتباعها هل يدركون أسسها والمبادئ التي آمن بها مؤسسوها؟ هل نالها قدر من التغيير الذي هو سنة من سنن الحياة؟ أم نالها سوء حظ من التأخر والنقد وأضحت ينظر إليها البعض على أنها سبب للتخلف؟
غلب الفكر الصوفي على مجتمعنا الليبي في طريقة التفكير وأسلوب الحياة، وهو يصبغ الشخصية الليبية في بعض جوانبها. فمقومات الشخصية تتشكل من معطيات تشترك فيها المجموعات البشرية كلٌ على حدة، منها الإيمان بذات المبادئ، القيم المجتمعية الواحدة وحصيلة الخبرات والحوادث التي مرت بهم عبر تاريخهم.
يصف الدكتور ضو الترهوني الشخصية الليبية في بحثه «الشخصية الليبية من منظور اجتماعي: تحديد إطار عام» بأنها صبورة لدرجة الخنوع، مما ينجم عنه انسحاب عن المشاركة وعجز عن صنع التغيير كما أنها متواكلة تنتظر الحلول من الخارج دون بذل جهد، مما ينتج عنه استسهال المسائل وتأجيل المعقد منها.
الحقيقة أن ما ذكره الترهوني ينطبق على ما نراه في الشارع الليبي، وقد يعزى إليه عدم القدرة على خلخلة التأزم السياسي وإحداث التغيير المنتظر وبالتالي تعقد الأزمة الليبية.
الانقسامات الداخلية، غالبا، كانت ولازالت من أهم العوامل التي تمزق النسيج الليبي وتعرقل قيام دولة متماسكة. وقد يكون للتدخل الخارجي دور في إذكاء الفتن وتعزيز الصراعات ولكن للشخصية الليبية دور في قبول هذا التدخل أو رفضه والالتفاف حول تبني الحلول المقترحة والقدرة على تقدير مدى نجاعتها.
عرفت الصوفية بأنها مجموعة رأت في الزهد عن الدنيا وفي صفاء القلوب راحة. الصوفية فلسفة حياة قوامها الرضى والامتنان بالقليل الذي يكفل استمرار الحياة دون غلو، ومن سماتها الخمول والانقباض والبعد عن تولي القضاء والطاعة الواجبة لولي الأمر. هي فلسفة قد يتبناها الفرد هروباً من واقع مأزوم ليس للفرد فيه دور واضح وتلتبس فيه طرق الإصلاح وتتعمق الهوة بين الناس في فهم المصلحة العامة وتحديد أولوياتها. البيئة المتأزمة سياسيا واقتصاديا تساعد في تبني وانتشار الفكر الصوفي، كحل سهل، يخلي الذمة ويريح الضمير وينتظر الجزاء الحسن من الله. وتبرز عبر تاريخنا أسماء مؤسسين للفكر الصوفي لهم الزعامة والاتباع في هذا الصدد منهم الشيخ أحمد زروق، والشيخ عبد السلام الأسمر، والشيخ محمد بن علي السنوسي وغيرهم.
لسنا في معزل عن أن بديهيات الحياة وأسس التقارب بين الناس تنشأ من الإيمان بذات القيم وتبني نظم عيش مبنية على التعاون، تٌسهل العيش والمشاركة الإيجابية. من هنا نجد أن الفكر الصوفي وجد في بلادنا أرضية خصبة للانتشار والتمدد، إنه يخلي الذمة عن مسؤولية الإصلاح وينحو إلى الرضا بالقليل ويعزز المسكنة في الدنيا وكلها ترسم طريق السلامة للفرد للفوز بالآخرة دون الخوض في مسائل شائكة يعجز الفكر البسيط في تبيان سلامة دوره فيها.
لا غنى عن الزهد والتقشف عندما تتعسر الأحوال الاقتصادية. لكن الصوفية كأسلوب حياة وطريقة تفكير هدفها الدين والتقرب لله، ولها سلبيات التواكل والخمول. المنتشر اليوم من سلبية وضياع قيم العمل والكد وعزوف عن الإصلاح هو عكس ما نادى به الدين القيم، فالزهد ليس ترك العمل. الإصلاح لا يبدأ بترك الأمر لغير أهله، والقيم تحتاج مراجعات دائمة. مع اعتبار المستجدات على مجتمعنا من تغلغل مدارس دينية متضادة مع الصوفية أخذت حيزا لا بأس به بعيدا عن موروثنا وأدخلته في تيه سيكون له نتائج لا يعلم إلا الله مداها، وسط أمواج ثورات التواصل غير المسبوقة في التاريخ البشري.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات