كثيرا ما نصف نظاما سياسيا ما بأنه نظام استبدادي (Despotic) أو ديكتاتوري (Dictator) أو شمولي (Totalitarian). أي أننا غالبا ما نستخدم هذه المصطلحات باعتبارها مترادفات تشير إلى مسمى واحد وتدل على نفس المفهوم. وأي نظام سياسي يوصف بهذه الأوصاف، أو أحدها، يعد نظاما سياسيا غير ديمقراطي.
ولكن، إذا تفحصنا الأمر عن كثب، للاحظنا فروقات، واضحة أو دقيقة، تجعلنا نكتشف أن هذه الأوصاف لا تشير إلى مسمى واحد، وإنما إلى مسميات مختلفة.
فالنظام الاستبدادي يتميز بأنه يدار من قبل شخص واحد يمتلك السلطة المطلقة وهو، بطبيعة الحال، نظام قمعي. إلا أنه قمعي في مجال السياسة وحدها تقريبا، حيث يتوجه هذا القمع إلى المعارضة، رغم إتاحته هامشا لحرية الرأي والعمل الحزبي المروَّض. أي أن الحاكم الاستبدادي يستبد برأيه، فلفظة الاستبداد، في اللغة الغربية، تنصرف إلى استبداد الفرد برأيه.
على حين أن النظام الديكتاتوري ينتفي فيه هامش حرية الرأي وتحظر الأحزاب. وينبغي أن نشير إلى أن الديكتاتورية في الإنجليزية (Dictatorship) مشتقة من الفعل (Dictate) بمعنى يُملي، وبالتالي فالديكتاتورية نظام إملائي يملي فيه الديكتاتور (المملي) إرادته على الشعب.
أما النظام الشمولي (Totalitarian) فيعرف على أنه نظام من الحكم يصادر الحرية الفردية ويسعى إلى إخضاع جوانب الحياة الفردية جميعها لسلطة الدولة. ولقد سكَّ الديكتاتور بينيتو موسيليني مصطلح (totalitario) بداية عشرينيات القرن الماضي ليحدد ملامح الدولة الفاشية الجديدة في إيطاليا، بحيث يكون «كل شيء داخل الدولة، لا شيء خارج الدولة، لا شيء ضد الدولة» ومع بداية الحرب العالمية الثانية أصبحت الشمولية مرادفة لدولة الحزب الواحد.
وترى حنة أرندت أن موسيليني نفسه «الذي طالما راقت له عبارة (الدولة التوتاليتارية) لم يحاول إقامة نظام توتاليتاري تام واكتفى منه بأن أرسى ديكتاتورية الحزب الواحد»1. وفي علاقة الأنظمة الشمولية بالجماهير تشير أرندت إلى أن «الأنظمة الشمولية إنما تبسط سلطتها استنادا إلى الجماهير»2. فافتتان الدهماء بالشر والجريمة افتتانا أكيدا ليس بالأمر الجديد. إذ لطالما ثبت أن الرعاع يرحبون «بأعمال العنف قائلين بإعجاب: لئن كان ذلك غير جميل فإنه بالغ القوة بالتأكيد»3.
1) حنة أرندت. أسس التوتاليتارية. ترجمة أنطوان أبو زيد. دار الساقي. ط2. 2016. ص32.
2) ن. ص.
3) ص33.
* إضافة إلى كتاب أرندت المذكور، استعنا بعدة مواقع على النت لم نر داعيا إلى الإحالة إليها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات