Atwasat

تعليق على أخطاء فادحة!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 12 أغسطس 2025, 12:25 مساء
أحمد الفيتوري

مسألة الحقائق المزيفة!
«... كنت في الأيام الأولى من سبتمبر 1969م في الطائرة، حيث بعثني الرئيس جمال عبدالناصر، للتعرف على جماعة الانقلاب العسكري، الذي قام في ليبيا في الأول من الشهر، أمرنا الطيار بربط الأحزمة، ومن النافذة شاهدت أضواء مدينة بنغازي، قرب مطارها كنت أشاهد أيضاً، الأضواء الساطعة للقاعدة الإنجليزية (العدم)». أو كما قال في برنامج تلفزيوني، وهو أحد أشهر الصحفيين: محمد حسنين هيكل. وكذا في كتابه (المقالات اليابانية)، ما يضم مقالات نشرت بالصحافة اليابانية، ذاكراً أن الساحل الليبي على البحر المتوسط ألف كيلو متر، وأن ليبيا استقلت سنة 1963م.... وغير ذلك.

فيما بعد، وبالتحديد، عقب ثورات الربيع العربي، قال: إن إقليم برقة الليبي يتبع مصر، وطالب باسترجاعه، ما علينا توضيحه التالي: أن ليبيا جارة مصر على حدودها الغربية، طول ساحلها، ما هو أطول ساحل أفريقي على البحر المتوسط، يبلغ 1.777.000(مليون، وسبعمائة وسبعون ألف كلم مربع)، وأن ليبيا استقلت يوم 24 ديسمبر 1951م، وأن قاعدة (العدم) الجوية البريطانية، كانت تقع محاذاة مدينة طبرق، ما تبعد قرابة 500 كلم عن مدينة بنغازي.

هذه الأغلوطات الفادحة، تتوفر مثلها الكثير، في الكتابة والتقارير الصحفية العربية والأجنبية، والمذهل الأكثر أن هناك بحوثاً ودراسات علمية مليئة بمثلها، ما تُبنى على أساسها قرارات ومواقف. وهذا يبين بشكل جلي القصور، الذي يعتري ما يقدم للقارئ، ومن الباحث على الخصوص، من معلومات مغلوطة، يمكن التوكد منها بمراجعة سهلة، خاصة في عصر الإنترنت، بل ويمكن تصحيح المغلوط منها، وإضافة الحقائق وتوضيحها، مما يعني مساهمة علمية ضرورية، ومن مستلزمات التقارير والأبحاث العلمية.

ما أريد توضيحه في البدء، أنني أقدم نموذجاً يخص ليبيا، لمعرفتي البينة بالبلاد التي أنتمي إليها من جهة، ومن أخرى، أن بلاداً كمثلها، تنتشر عنها الكثير من المعلومات الخاطئة، لأن الباحث في هذه الحالة، بحاجة لجهد بيّن ومضاعف، وذلك لعدم توفر المعلومات بسهولة، ومثل هذا، ناتج عن الحقبة القذافية، التي أُغلقت فيها البلاد، وقبل من زرع الاستعمار الإيطالي، ما اتسم بالغوغائية عهد موسوليني وعليه شحت المعلومات عن ليبيا، البلاد المترامية الأطراف، على البحر المتوسط وفي الشمال الأفريقي.

لكن هذا لا يبرر البتة، تقديم أغاليط يَنتجُ عنها تزييف حقائق، مما يعني في مجال البحوث – مثلا- اللا علمية، والتقصير في الجهد وعدم الجدية، ما يسمُ للأسف، الكثير من مراكز البحوث والدراسات، خاصة الشهيرة منها، والملاحظ أن هذا ليس ناتج المرحلة الراهنة، بل حصاد تأسيس مغلوط، يعتمد السلق، والطبخ المتعجل في هكذا مراكز شهيرة، ومن ثم عند هكذا صحافة ما تنشر دون مراجع في الغالب، وتهدف للسبق في ذاته، دون أي جهد يذكر، وبعد تصبح هكذا معلومات حقائق، لكنها حقائق مزيفة...

• مطالعة أخرى لهكذا حال
المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، هو مؤسسة بحثية فكرية مستقلة، للعلوم الاجتماعية والتاريخية، وبخاصة في جوانبها التطبيقية. هكذا يُعرف المركز نفسه، في صفحة متقدمة من المجلة التي يصدرها: (سياسات عربية)، العدد 37، ما يرأس تحريرها حيدر سعيد، وإلى جانبه هيئة تحرير موسعة. ويضم العدد المذكور، دراسات ومواضيع عدة، منها للباحث: (العربي العربي)، أستاذ العلوم السياسية بجامعة عبد الحميد بن باديس بمستغانم بالجزائر، دراسة: «المؤسسة العسكرية في ميزان الثورتين التونسية والليبية»، يقع بالمجلة بين ص 27 و47، ويضع في الورقتين الأخيرتين، مراجع عدة عربية وأجنبية لبحثه.

يضم البحث فيما يخص ليبيا أخطاء معلوماتية جمة، الكثير من صحيحها متوفر، عبر محرك البحث الغوغل، وما يتداخل منها يمكن تداركه بالمقارنة والتمحيص. لكن قبل أن أشير للأخطاء المطبعية الفادحة، كـ(الجيش المسلح) والمقصود (الشعب المسلح)، فالقارئ غير الحصيف سيدوخ! حول الدلالة في السياق. وكالتالي «كما عمد إلى خفض ميزانية الدفاع من 1.3 مليون دولار في عام 1988 إلى 1.2 مليون دولار في عام 2000.

فشهدت المؤسسة العسكرية انخفاضا حادا، في مجال التسلح والعتاد والعنصر البشري»، هنا الخطأ المطبعي واضح، لكن غير المفهوم تعبير (انخفاضا حادا)، عند النظر المقارن بين الرقمين، المدرجين أعلاه والمذكورين في البحث. ثم إضافة لذلك، ما اعتيد عليه من أخطاء الأسماء، خاصة المكرر منها، وما يغص بالصحيح منها الغوغل. لكن هذه أخطاء هامشية، أمام أغاليط تمس متن البحث، وكما أشرت أنها كثيرة لذا سأكتفي بأمثلة منها:

يعتمد الباحث في أُس بحثه، على دراسة المؤسسة العسكرية فيوضح دلالتها، ثم يتخذ المقارنة سبيلا، من أول بحثه حتى انتهائه، المقارنة بين المؤسسة العسكرية التونسية والليبية. لكن في ثنايا البحث، ينفي وجود مؤسسة عسكرية ليبية (تقليدية)، أي مشابهة للمؤسسة العسكرية المعروفة، دون أي توضيح لذلك، فيكتب: «عمد القذافي مع بداية عام 1988م، إلى تغيير مؤسسة الجيش، بمؤسسة حراس الجماهيرية، ترأسها لجنة الدفاع الشعبية...»، معلومة مغلوطة فـ(الحرس الجماهيري) كما أعلن القذافي هو غير «لجنة الدفاع الشعبي»، و(الدفاع الشعبي)، هي التسمية التي أطلقها القذافي، على القوات المسلحة. وبعد أسطر يكتب «لقد حاول القذافي، في أواسط الثمانينيات، أن يُجري بعض الإصلاحات السياسية، فتحدث عن إلغاء الجيش النظامي، وقدم اقتراحا لإنشاء (جيش شعبي)، ليمثل الجيش الوطني، واستبدال الميليشيات بقوى شعبية...».

ومن الأغاليط الكثيرة: «.... وكلها تحت قيادة القذافي، عبر أقارب له من قبائل تدين له بالولاء، نجد على رأسها، اللواء أحمد قذاف الدم القائد الأعلى السابق لبرقة».

و«حوكم العقيد محمد المقريف، في ظروف مشكوك فيها، واغتيل بشير هوادي، وعواد حمزة في عام 1975م، وعمر المعايشي في عام 1984م.... الخ»، وفي هذا الرائد امحمد المقريف توفي في حادث سيارة! مبكرا، وبشير هوادي وعوض حمزة لم يُعدما، وعاشا بعد اتهامها في محاولة انقلابية، عُرفت إعلامياً، بمحاولة الرائد عمر المحيشي، اللاجئ السياسي في المغرب، من سلمه للقذافي، الملك الحسن الثاني، في صفقة «وجدة» المُشينة، وكل هذه الأسماء من مكون أعضاء مجلس قيادة الثورة، الذي رأسه العقيد معمر القذافي، وأما ما يخص أحمد قذاف الدم، فكله غلط بغض النظر عن المرجع، ما يكون أجنبيا في كثير من الأحوال غير معني ببحثه، فكثيراً ما يكون غرضه ماليا، وما شابه.

وهذه الدراسة مليئة بأغاليط رئيسة، خاصة في مجال المعلومات، التي يتأسس عليها نظرة الباحث لموضوعه، وما هي ركيزته. وفي الأول والأخير، ما هو علمي حقا، أنه باطل ما تأسس على باطل. وذا أمر فادح، يبين أن الكثير من المؤسسات والمراكز، ووسائل الاتصال في مجتمعاتنا، في أحسن حال، هي حصاد لزرع خائب ليس إلا ... مع الأسف حد الأسى.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»