لم أجرب المنفى ولم أعانِ تجارب الحياة مغتربا خارج البلاد، بل أمضيت سنواتي وسط أهلي وفي قرى هذا الوطن، تلك بالطبع ليست ميزة كما قد يعتقد البعض، فالغربة والهجرة وعلى الرغم من كل ما فيها من عذابات وآلام، إلا أنها تفتح للمهاجر آفاقا أرحب وتقحمه في تجارب أعمق وبالتالي معرفة أوسع وأعمق يصعب، إن لم يستحل، على القابع في الوطن أو البيت نيلها، إن من سافر خبر وعرف، ومن تغرب عاش حيوات كثيرة، ومن عاش وسط مجتمعات غير مجتمعه الأول نال خبرات ومعرفة بطبائع الناس لا يمكن أن يكتسبها وهو يعيش عادات ويوميات وتواريخ أهله.
الصورة المتخيلة للوطن التي يرسمها شعراء الملاحم وكتاب الـ«يوتوبيا»، المفارقة بالطبع لواقع الوطن وحتى تاريخه، ينجح فيها أولئك المنفيون والمهجرون من أوطانهم، بينما لا يكتب القابع في قاع الوطن ووسط الأهل والعشيرة، إلا فصول العذاب واليأس والعدم، بل قد ينجح المنفي والمهجر في رؤية الوطن على نحو أفضل من منفاه.
«دانتي أليغييري» مثلا، أمضى الجزء الأهم من حياته مطرودا منفيا، ليرى مدينته من بعيد، مفطوما عن شوارعها وأكلها وشربها، عن غنائها ورقصها، عن ملائكتها وشياطينها، ولكن وفي الوقت نفسه، بعيدا عن سلطة حكامها وقساوستها، عن محرماتها وخطاياها، ليرسم صورتها المتخيلة في «الكوميديا الإلهية»، لم يكتب «التراجيديا الإلهية» ذات النهاية المأساوية والتي لو لم يعش المنفى والتهجير لما كتبها كوميديا، والكوميديا هنا لا تعني المضحك وغير الجليل بل تعني «ملحمة المعاناة والعذاب ذات النهاية السعيدة».
«دانتي» وفي الكانتو الأول من ملحمته يصور نفسه ملقى في المتاهة، ضائعا في طريق لا يعرفه وقرب غابة موحشة تحرسها وحوش مرعبة، ولا دليل يقوده في تلك المتاهة الموحشة، حتى يظهر له الشاعر الروماني «فرجيل » ليقوده عبر طرق المنفى، منفاه من الوطن، فالمنفى في كوميديا دانتي يأخذ شكل الموت والقيامة والثواب والعقاب، انه يعبر جحيم المنفى ليرى كل خطاياه ونوازعه الشريرة وعواقبها، إن الجحيم أو المنفى ليس إلا أفعالنا وشرورنا وقد ألقت بنا خارج الحياة وقيمها الخيرة وفي أفواه هوام الشرور الاجتماعية والفردية، إنها معركتنا في «الموت» أو «المنفى» ضد نوازع الشر فينا من أجل بلوغ المطهر والشفاء من كل أدراننا الفردية والاجتماعية، كي نبلغ الجنة أطهارا أنقياء لننعم بحياة طيبة خالدة، حيث يرسم الشاعر صورة «الأرض أو الوطن المتخيل» والذي ينشد الفرد والمجتمع بناءه وتحقيق قيمه الربانية.
المنفى وكما ألهم «دانتي» صورة وخارطة الطريق إلى الوطن المأمول، يلهم «ميلتون» المدينة المأمولة ليصور الوطن الحلم أو «الفردوس المفقود» بعد طرده منفيا مهانا من مدينته «لندن» إلى المنفى.
المنفى أيضا ألهم «ماركيز» قريته المتخيلة في «مائة عام من العزلة» وهو يعيش منفاه الباريسي فقيرا ومنفيا.
إن تجارب المنفى لعبت دورا ملهما وعظيما في رسم صورة الوطن المتخيل، الوطن الفردوس، الوطن المستقبل الذي حرمنا منه مطرودين منفيين، لنعود إليه وقد تطهرنا من كل شوائبنا لنطهره من كل شوائبه.
نبل تجربة المنفى وعذابات المطاردة ووحشة الوحدة، آلام الفطام وفقدان الأم والأب بمعناهما الوجودي واليومي العادي، ترسم الوطن والعودة إليه كخلاص، كفردوس مفقود ليكون المنفى رحلة عبور، رحلة بناء للوطن المستقبل.
إن المنفي يهدم الوطن الذي طرد منه ليشكل عبر ملحمة عودته، ومن رماد وخرائب الوطن فردوسه المفقود، وطنه المستقبل.
يا شعراء المنفى، مهندسو طموحاتنا وأحلامنا بوطن يليق بالإنسان، بالأم التي فطمتم عنها، يليق بكم وبنا، نحن بانتظار «كوميدياكم الإلهية» بجحيمها ومطهرها وفردوسها المرتقب، نحبكم ونعول على أحلامكم التي هي أحلامنا وإن اختلفت تفاصيلها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات