جاء إنجاز اللجنة الاستشارية، المُشكَلة من البعثة الأممية في بلادنا، قصد الوصول إلى أفضل ما يحقق الاستقرار المنشود، للخروج من عواقب ما فرضه إسقاط النظام الشمولي في مستهل الحقبة الثانية من هذه الألفية، على هذا المستوى من السرعة والتنزه عن كل ما يشي بوجود ما يمكن أن يتخذ من المهمة سبيلًا للانحراف، وذلك بتسليمهم الملف الذي حمل في طياته المسارات الأربعة، ثلاثة منها نَحَت مناحي التعديل، ورابعها ذهب إلى خيار التأسيس اقتداءً بما قررته الهيئة الأممية عند بحث مصير المستعمرات التي كانت واقعة تحت استعمار المحور، عندما خسر الحرب أمام جيوش الحلفاء التي لم تتحرج من احتلال العواصم الخاسرة، وامتد الاحتلال إلى البلاد المستعمَرة.
ربما لأن هذه اللجنة قد شُكِلت بعد أربع عشرة سنة كاملة من حكم دام أربعة عقود ونيف، وفترة انتقالية شهدت من التجاوزات التي فاقت ما سبق، ولا سيما الاستغلال الذي فاق كل ما لاعين رأت ولا أذن سمعت. لقد أعادت هذه النتيجة المنصفة بالكثير مما هو إيجابي، ولا سيما تخلصها من كل ما يدفع نحو إطالة الأجل أو إمكانية التسلل من مهمة الاستشارة إلى مشروع تسلل نحو البقاء غير المقيد، بل قامت على تعدد الخيارات، فوجد ما يوفر العلاج السريع، وما يتبنّى مشروع التأسيس الذي ينطلق من أول هيكل انتهت إليه هيئة الأمم المتحدة وهي تبث في المصير الليبي عقب الحرب الكونية الثانية، وما انتهت إليه من النتائج، وبالضرورة التسويات، تلك التي قامت على التوازن في توزيع مناطق النفوذ، ومراعاة المصالح القريبة، والأخرى المحتاجة لبعض التسويات، التي كان من نتيجتها الدفع بليبيا لنيل استقلالها، واقتراح جملة من الخطوات التي كان من بينها تشكيل مجلس تأسيسي مُثِّلَ به مجموع السكان، بدءًا بواحد وعشرين عضوا، مُثِّلَت بهم برقة وطرابلس وفزان، ثم رُفِعَ لاحقًا إلى ستين، اضطلع بوضع الدستور وشكل الدولة ونظام الحكم، واستؤنس فيه بما شهدته البلاد من الاتصالات وحتى الموافقات، بدءا من سنوات الجهاد، وما أدى إليه من مختلف الأنشطة والاتفاقات، وانتهى بما قررته الأغلبية التي شاركت الاستطلاع الذي رعته الأمم المتحدة والجامعة العربية.
والحديث في هذا المجال يطول، وتوقيته لا يتسع له مثل هذا الحيز، إلا أن إنجاز اللجنة الموقرة مهمتها المذكورة على هذه الصورة المنظمة، من حيث تعدد الخيارات، وعدم وجود ما يفوح منه الطمع في الاستمرار، وتطوير المهمة إلى مشروع انتفاعي، يدفعنا نحن معشر شهود المرحلة ومراقبي ما يحتدم فيها من صراع لا يتوقف، وطموحات لا مكان فيها للحياء، إلى مطالبة المندوبة الدولية بتبنّي الخيار الرابع، شريطة أن يطلب من اللجنة الموقرة اقتراح أسماء المجلس التأسيسي الذي يمكن أن يصوغ الدستور المؤقت، ويقترح شكل الحكم، وربما نظامه أيضًا، على أن يسبقه وقف النزيف المالي، المتمثل في الصرف غير المقنن، والتصرف بالموارد قبل دخولها قيود الواردات، وحصر التصرف فيها من دون موازنة محددة، ما دامت اللجنة قد أنجزت مهمتها على هذا النحو المتجرد من أي ريحٍ كريهة، تبعثه عادةً المطامع الحقيرة والافتعالات اللزجة.
لقد تحولت ممارسات مجموعات الأمر الواقع إلى ما يشبه السرطان الذي لا أمل في شفائه من دون البتر، وما من شبيه للبتر المنشود مثل تبنّي الخيار الرابع على النحو الذي اقترحنا أو أي تعديلات أخرى، والمهم اختفاء الأجسام كافة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات