في صحراء واقعنا، حيث تتشقق الأرض عطشاً إلى المنجز، نعيش نحن على ارتواء كاذب من سراب هو محض خيالنا. إن كانت «اليقينيات» سدوداً تمنع جريان النهر، فإن «الأوهام» ضبابٌ سام يغشى الأبصار، فلا نعود نرى النهر، أو نعترف حتى بوجود الصحراء.
لم نعد بحاجة لفرعون يطارد مواليدنا، لقد صار كلٌ منا فرعون ذاته، يبني هرماً من الوهم ليدفن فيه حياً، ويطارد أي حقيقة قد تطل برأسها، فتهدد مملكة «الأنا» المتورمة. في هذا الفراغ الهائل، لا يتصلب الفكر، بل يتضخم كالورم، يملأ الفضاء بسيولة لا شكل لها ولا غاية. نحن شعب «لو» و«لولا».. «لو» أنصفتنا الظروف، و«لولا» تآمر العالم. قدراتنا أسطورية، لكنها تسكن قمقماً لا يفتحه إلا مفتاح المعجزة. هي قدرة الفارس في الحكايات، لا قدرة المهندس على الأرض.
نبني قصوراً في الهواء، بينما بيوتنا على التراب آيلة للسقوط، وجرعة الوهم هي مخدرنا اليومي الذي نهرب به من عجزنا الفعلي.
لقد استحال الجهل بين أيدينا معرفة زائفة، جهلٌ مركبٌ له صولجان ومنبر. أمسى كل فرد فينا موسوعة ناطقة، خبيراً استراتيجياً، يبتلع المعلومة العابرة، ليقذفها رأياً قاطعاً على مدرجات التواصل الصاخبة.
لم يعد الشك فضيلة، بل صارت الفتوى السريعة هي المهارة الأسمى. تحولنا إلى أرخبيل من الذوات المنعزلة، كل جزيرة تظن نفسها قارة الحقيقة المطلقة، وتطلق نيرانها على كل من يجاورها.
في غياب المشروع الجامع، لم نصبح أفراداً أحراراً، بل ذرات متنافرة تتصادم في عتمة الفوضى. فردانيتنا ليست تلك التي تبني مجتمع الأنداد، بل نرجسية مزمنة تلتهم ما هو «مشترك». «أنا» أولاً، «أنا» دائماً، «أنا» وحدي. لقد قتلت هذه «الأنا» فكرة المواطنة، وحولت الوطن من فضاء مشترك إلى غنيمة مؤقتة، كطفيليات تقتل الجسد الذي تسكنه، غير مدركة أنها ستموت معه.
ومن قلب هذا العجز، يولد شعور متخيل بالفوقية، فوقية لا تستند إلى منجز أو قيمة، بل إلى هوية جوفاء. نزهو بنسبنا كفقير يعدّ كنوز أجداده، لا كغني يعرض إنتاجه. هذا القناع الذي نخفي به وجوهنا الشاحبة هو درعنا الأخيرة، نحتمي به من أي نقد أو مقارنة قد تكشف هشاشتنا.
لقد تحولت حياتنا إلى مسرحية هزلية، نؤدي فيها أدواراً لا نتقنها، بمهارات لا نملكها، لتحقيق أهداف لا نفهمها. لا نحتاج للفلسفة لتزلزل يقينياتنا فقط، بل نحتاج أولاً إلى مرآة صقيلة، لا تموج فيها صورتنا ولا تتضخم. نحتاج إلى الشجاعة لنحدّق في تلك المرآة، ونعترف: «هذا هو حجمنا الحقيقي، هذا هو مكاننا الفعلي، ومن هنا يجب أن نبدأ».
إن مواجهة هذا السراب ليست دعوةً لليأس، بل هي الشرط الأول للأمل، فالأمل لا يولد من الأحلام الواهية، بل من الاعتراف الصادق بالواقع، مهما كان مؤلماً. الخطوة الأولى نحو النهر ليست بإنكار الصحراء، بل بالشعور الحارق بالعطش. فهل نشعر بالعطش حقاً أم أننا ارتوينا تماماً من سراب ذواتنا؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات