Atwasat

البِرْكَة.. البيت الذي يفتح على الداخل!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 22 يوليو 2025, 09:24 صباحا
أحمد الفيتوري

أخترق الشارع الرئيس من ميدان البركة، ما تغير حتى شان، البركة حي نصف شعبي، حي الطبقة الوسطى منذ سالف الأيام، ومساكن هذا الحي في الغالب معمارها قديم، منازل ليبية فيها ما فيها من طُرز عثمانية ولا أقول تركية: المدخل قوس حجري بزخرف أحياناً والباب بابان في باب أو قوسان، يدعى في الجملة باب بوخوخة، على الباب الصغير الذي هو لدخول البشر مدق بوجهي الإله الروماني جانوس، وكذا حدوة حصان لدرء العين والحسد، لون البابين أخضر في العادة.

تجتاز الباب فتلتقيك السقيفة المستطيلة، التي تحولك إن كنت ضيفاً للمربوعة، ما شكلها في اسمها ومساحتها تدل على صاحب البيت، الشيخ، الوجيه، الثري: مضيفتهم واسعة وفيها تكايا، أما المساحة الضيقة فلغير هؤلاء، للسقيفة مدخل مقوس، عادة ما يفصل البيت بشرشف يحجز النظر عن صحن البيت، الذي لا سقف له وقد يكون فيه بئر ونخلة. تطل على هذا الصحن غرف نوم مستطيلة، مساحتها صغيرة وأبوابها حيز لمفرد أما النوافذ فكوة للتنفس، في جانب من الصحن كنيف ضيق ومطبخ أضيق، مما يجعل النسوة في الملمات يطبخن في وسط البيت.

وسط الذي يبنى في مجمله من الحجارة والجير، الحيطان في عرض نصف متر والأسقف من جذوع النخيل وتبن البحر والطين، يسمى نوع البناء هذا بضرب الباب، كثيراً ما تكون مساحة البيت شاسعة، ولكنه بيت يفتح على داخله، الشمس ضيف ثقيل والهواء أثقل، لأنه يستجلب معه قرينه العجاج ابن الصحراء المدلل. هناك منازل معمارها إيطالي مميز وشهير، ثمة بيت قرب سينما الزهراء بالبركة من هذا الطراز الإيطالي، اعتنى به صاحبه وصينه وأعاد الحياة له فجعله بهذا يشد الروح، لمن مثلي يغتبط بكل جميل حي قدم.

عن هذا أحيد مخترقاً البركة، أعطيها بظهري وصدري لشارع جمال عبدالناصر، ووجهي قبالة البحر وميناء المدينة التي يحدها البحر أينما شئت، تواجهني زحمة أحبها وأستأنس بها، على الجانب الأيمن مكتبة المعارف فيها كل ما لذ وطاب لي، خاصة في شهر رمضان حيث لا شغل ولا مشغلة، فيها كتب تطيب لي، كما يطيب النزر القليل من الصحف والمجلات التي تصل البلاد.

ما من زاد في الجيوب، العين بصيرة واليد قصيرة، لهذا أحث الخطى مزوراً عن المكتبة مغتبطاً: أطفال، وأطفال مع ذويهم، يتزودون بحاجتهم لملاقاة عام دراسي جديد، مغتبطاً بالزحام ما يطال القرطاسية الأولى، أبجد هوز المتأنقة بلون الورد المتحوطة بقمامتها، ثم الثانية المجانبة ليسار الشارع، قبالة سينما الهلال التي يأكلها السوس لعدم الصيانة، وما علق في حلقها من أفلام قديمة، استهلكتها ولاكتها أدلة العرض، بعد أن انفض من حولها عشاقها وقد هرمت.

أحث الخطى، ومن كتبت عليه خطى، في مدينة بنغازي وفي شارع جمال عبدالناصر الطويل، مشاها حثيثاً مخافة زحمة السيارات، فالظلام الذي يحوطه، ساعة يصل نادي النصر هذا النادي العريق، الذي مكانه أكثر عراقة في تاريخ الكرة الليبية، أي ملعب 24 ديسمبر سابقا: أمسك بالترانستور على أذني، بيليه يسجل أهدافه المتتالية، وإن كان الفريق الإنجليزي يحث الخطى للفوز بكأس العالم في هذه الدورة، اوه مصطفى المكي هذا القصير القامة الراسخ القدم ضيع الهدف، هكذا سيخسر الأهلي المباراة.

رن هذا التعليق في أذني المتحررة من الراديو، وقد غصت التريبونة بمشجعي الأهلي، فيما ديمس الصغير من يشبه بيليه يقطع ملعب 24 ديسمبر، كفهد ارتوى من حليب نيدو، وهو يقدم له الدعايات على شاشات السينما تلك الأيام، ديمس الفهد الأسود الصغير، أوقفه وسد تقدمه شبل الأهلي أحمد بن صويد، شريكه في الدعاية للحليب المجفف الجديد نيدو.

الملعب صغير، لكنه يضم كل سكان المدينة، عشاق الكرة المنقسمين بين أهلاوية وهلالية، بين هذين يندس خالي خليفة الغرياني، بطل المصارعة الحرة المهزوم أمام بطل أفريقيا، خالي صانع السندوتشات المميزة، يبيع القازوزة ماركة الأهلي والكازوزة ماركة الهلال. أما نادي النصر، نادي الفحامة كما يطلق عليه الشارع الرياضي، دون أن أعرف سبب التسمية، فيقفل الشارع حيث ينوى النصر ملاحقة التحدي والهلال في مسابقة بناء أسواق وتأجير المحلات، أما مسابقة الكرة فمن لزوم ما لا يلزم.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»