Atwasat

الليبيون وعبء الجغرافيا

أحمد زاهر الخميس 17 يوليو 2025, 03:08 مساء
أحمد زاهر

ليبيا ليست بلدًا صغيرًا يبحث عن موقع له تحت الشمس، بل مساحة شاسعة تقارب حجم قارة، تستدعي استراتيجيات كبرى، لإدارتها وتنميتها وحمايتها.
لكن هذه الجغرافيا، التي كان يمكن أن تكون مصدر قوة، تحولت إلى عبء ثقيل على مجتمع قليل العدد، محروم من أدوات التنمية، ومخنوق بسياسات مركزية عقيمة.

التحدي الليبي لا يكمن في رسم الحدود، بل في ملء المساحات، وفي إعادة توزيع الحياة على الجغرافيا. لكن الواقع يُظهر العكس تمامًا، فبدل أن تعزز الدولة التوزيع المتوازن للسكان، وتُنعش المناطق الداخلية بالتنمية والخدمات، اختارت طريق الانكماش.
تُركت المدن والقرى خارج الساحل، لتُواجه مصيرها وحدها، فتفاقمت موجات النزوح من الجنوب إلى الشمال، ومن الأطراف إلى المراكز، ومن الريف إلى المدن، بحثًا عن حد أدنى من الأمان والخدمات.

النزوح الداخلي هذا لا يعكس فقط اختلالًا عمرانيًا، بل يُظهر أزمة وجودية في علاقة الإنسان الليبي بأرضه. فحين تنعدم الصحة والتعليم والعمل والأمن، يصبح البقاء في الموطن الأصلي عبئًا لا يُحتمل، ويغدو الرحيل خيارًا وحيدًا.

وما يُعمّق هذا الخلل الديموغرافي أن ليبيا تعاني معدلات نمو سكاني ضعيفة مقارنة بدول الجوار. وعلى الرغم من شساعة مساحتها ووفرة مواردها، فإن السياسات العامة، منذ عهد القذافي وحتى اليوم، لم تُشجّع على الاستقرار السكاني أو التوسع الديموغرافي، بل أسهمت في تقليصه. لا مشاريع إسكانية مستدامة، ولا خدمات تعليمية وصحية محفّزة، ولا بيئة اقتصادية تشجّع على الإنجاب أو تدفع الشباب للبقاء في وطنهم.

هكذا تآكلت الرقعة السكانية تدريجيًا، بينما ظلّت الأرض فارغة، والمسؤولية مُعلّقة، فالتنمية السكانية ليست رقمًا ديموغرافيًا فقط، بل انعكاس مباشر لثقة المواطن في مستقبل بلده، وقدرته على الحياة فيه.

والمفارقة أن حتى الشمال، الذي يُفترض أنه القلب النابض للدولة، يعاني فراغات عمرانية وجغرافية غير مبررة. يكفي أن تقطع الشريط الساحلي، من امساعد شرقًا إلى رأس اجدير غربًا، حتى تدرك كمّ المساحات غير المأهولة التي تفصل بين المدن، وغياب أي رؤية عمرانية تربطها ببعضها كجسم موحد.
مدن متباعدة، وخدمات غير متوازنة، وتخطيط غائب، كأننا أمام شريط مأهول جزئيًا فوق أرض مهجورة، لا يجمعها منطق عمراني ولا مشروع وطني.

أما الجنوب الليبي، فهو قصة أخرى من أعباء الجغرافيا. فبامتداد أكثر من أربعة آلاف كيلومتر من الحدود البرية مع ست دول، تواجه ليبيا عبئًا أمنيًا وجيوسياسيًا بالغ التعقيد. حدودٌ مفتوحة على عمق الساحل والصحراء الكبرى، يسهل اختراقها، وتصعب حمايتها في ظل غياب التمركز السكاني، وتراجع وجود الدولة.

وقد تحوّلت هذه الحدود إلى ممرات للهجرة غير النظامية، وتهريب السلاح، وعبور الجماعات المسلحة، في غياب استراتيجية وطنية حقيقية لإدارتها.
هذا الفراغ الجغرافي لا يزيد فقط من صعوبة الإدارة، بل يحوّل ليبيا إلى ساحة مفتوحة أمام موجات الهجرة غير النظامية، دون قدرة حقيقية على ضبطها أو إدارتها.

وحين تفقد الدولة السيطرة على أطرافها، تفقد تدريجيًا السيطرة على نفسها.
غير أن الأثر الأخطر لهذا النزوح الداخلي لا يتوقف عند البُعد السكاني أو الأمني، بل يمتد إلى الاقتصاد والبيئة. فبإهمال المناطق الزراعية وهجرة السكان للقرى، تراجعت الزراعة، وخسرت البلاد تدريجيًا قدرتها على الإنتاج المحلي.

تحوّل الاقتصاد من إنتاجي إلى ريعي، ومن الزراعة إلى النفط، فانحسرت ثقافة العمل، وتراجعت قيمة الأرض، وتبددت العلاقة بين السكان وأرضهم.
والنتيجة: أراضٍ مهجورة، وموارد غذائية مستوردة، ومناخ يزداد قسوة بفعل التصحر والتدهور البيئي. فالفراغ لا يفرّغ الجغرافيا فقط من البشر، بل يفرّغها من الحياة.

إن ما تحتاجه ليبيا اليوم ليس مجرد إصلاحات فنية، بل رؤية وطنية طويلة المدى تعيد الاعتبار للإنسان والمكان معًا. رؤية تبدأ بتوسيع الحكم المحلي، بإنشاء المحافظات، ومنحها سلطات فعلية، وتخصيص الموارد لتنمية المناطق المهمشة، وتوفير التعليم والصحة والأمن والخدمات الأساسية، وتشجيع العودة الطوعية والاستقرار في الداخل. فلا وطن يُبنى على الساحل فقط، ولا دولة تستقيم دون أن تُعمر كل شبرٍ من جغرافيتها.

والسيادة لا تُمارس فقط في العواصم أو عند المعابر الحدودية، بل في القرى والبوادي والمزارع والأطراف، وفي قدرة الإنسان على أن يجد في أرضه مكانًا يستحق البقاء. إن عبء الجغرافيا الليبية لن يخفّ ما لم يتحوّل إلى مشروع وطني واعٍ، يعيد الاعتبار للمكان، ويجعل من الإنسان محوره لا ضحيته.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»