لو نظرنا إلى الدنيا كمسرح كبير كما رآها «شكسبير»، فإننا بالتأكيد سنجد عناصر الفرجة المسرحية مثبوتة منذ بدايات الحياة وقبل وجود الإنسان، فالدنيا كانت ومنذ خلقها الأول «ركحا» مسرحيا تم تجهيزه لاستقبال كل العروض.
لقد كان الديكور والموسيقى، والضوء والظل والظلام الكامل، وكل عناصر ما عرف فيما بعد بالفن المسرحي موجودا، كانت ملحمة «السينوغرافيا» وتشكلها تحدث وتتحول وتتطور استعدادا لما عرف فيما بعد عبر الفكر الديني في أوروبا بـ«الدراما الإلهية».
التجهيز لهذا العرض الملحمي الضخم كان قد بدأ بفصل النور عن الظلمة والماء عن التراب، وتتوج بخلق آدم وحواء والجنة ثم الأفعى ثم الغواية ثم الخطيئة وانكشاف السوأة والنفي إلى الأرض لتنتقل بعد ذلك مشاهد الملحمة إلى فضاء آخر غير السماوات هو فضاء الأرض، وغير الجنة هو «الليمبو» أو «البرزخ» أو الأرض والحياة الدنيا، لقد تم تجهيز المسرح استعدادا لعرض هذه الدراما الإنسانية بعد الكوميديا الإلهية، كان الديكور جاهزا والإضاءة والإظلام والمؤثرات الصوتية.
لم تكن عناصر العرض جامدة ولا ميتة بل كانت حية تولد وتنمو وتتطور، تضعف وتتقوى، كان فن السينوغرافيا يصل إلى كماله وتألقه على صعيد كوني قبل وجود الإنسان «الممثل» على ركح المسرح الأرضي، كانت «المساحة الفارغة» كما سماها «بيتر بروك» قد عجت بعناصر العرض المسرحي الكبير حتى قبل أن يهبط أبونا وأمنا، بطلا عرض هذه الكوميديا الإنسانية، كما سماها «أنرو دو بلزاك» لاحقا.
مرت ملايين السنين والمسرح الأرضي خالٍ من محور العرض الكبير، الإنسان، والسينوغرافيا بكل عناصرها تتشكل، تتصاعد إيقاعات ألوانها وموسيقاها وأضوائها، لا شك أن العرض كان مبهرا وجليلا، ولذا ظل خيالات وأحلاما بفردوس مفقود في مخيال الإنسان. وظلت أساطيره وفنونه وآدابه وفلسفاته وأديانه تحاول تقديم «ما كان» على خشبات مسارحها وعبر ملاحم شعرائها وسرديات فلاسفتها، ظل الفن يحاول أن يعيد تمثيل وتصوير ما جرى.
فن التنصيب وهو فن ينتمي لما بعد الحداثة وقد ترسخ كفن مستقل عام 1970م يركز على تصوير الفضاء بشكل مختلف تلاثي الأبعاد، ويعرف أحيانا بأنه فن تكوين البيئة ويقول «إيليا كاباكوف» إن المحور الرئيسي الذي يوجه إليه كل شيء في أعمال هذا الفن، هو المشاهد، ويقال عنه أيضا إنه فن يوحد المسار بين المسار الظاهر في العمل الفني والقطعة الفنية وإزالة الفواصل بين المشاهد والعمل الفني بإدخال المشاهد داخل العمل الفني بشكل كامل. وهو أيضا خلق فضاءات جديدة بأشكال مختلفة زمانا ومكانا. ولا يستهدف إيصال فكرة بل إيصال أو نقل إحساس بالحكاية، حكاية «الإنسان» ووجوده وسط هذا الفضاء، هذه البقعة أو هذا الوطن أو هذا الكون.
من التنصيب إلى «فن الهبيننغ» تحدث النقلة أو تتم إعادة تمثيل ما جرى من إعداد رباني للكون ثم نزول الإنسان إلى هذه الأرض مطرودا ومعاقبا لعرض تلك الملحمة.
كان الانفصال بين الفنون الجميلة والفن الشعبي، والانفصال بين الغرض المصنوع يدويا والطقس الجسدي الاحتفالي قد بدأ لتكتسب بعض الأعمال معنى أو قيمة طقسية بعد عزلها عن سياقها الاجتماعي والتاريخي، كان «بيكاسو وأبو لينير» أهم المكتشفين للقيم السحرية أو طقسية في أعمال بدائية موجودة في المتحف.
الهدف من ذلك كان إيصال الإحساس أو إنتاج الإحساس وليس تقديم المعلومة أو الفكرة، معايشة التجربة الفنية بدل وصفها.
المستقبليون الطليان بدايات القرن العشرين بدأوا في إنتاج وتقديم أعمال تمزج بين الطقس والعمل الفني بنثر الألوان في فضاء التنصيبات وبإشعال الأضواء وترقيصها ليلا، مزجوا بين تنصيبات متحركة ورقصات «فانتستيكية» ليدشنوا مسرح «المكسد ميديا» أو مزيج الوسائط والعناصر.
الفنانان الإيطاليان الرائدان هنا هما «برونو كورا وإيليو سيتيميلا».
المستقبليون الإيطاليون وجدوا أنفسهم يجربون أعمالهم التشكيلية عبر مسرح تجريبي ويدشنون لفن الهابيننغ أو الحدث، حيث الفنان والمشاهد يعيشان حالة تشكل وتكوين العمل الفني، يعيدون سرد تاريخ الكون والإنسانية منذ الخلق وحتى الآن، بل وحتى القيامة.
في الفنون نحن وإن بدا أننا نلعب إلا أننا نعيد سيرة الخلق، تشكيلا وتلوينا وتنصيبا وعرضا ومشاهدة، لنرى الله والكون والخلق، هذا العرض الملحمي الكبير، فما الدنيا حقا إلا مسرح كبير.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات