Atwasat

(خليفة الله في الأرض)

محمد عقيلة العمامي الإثنين 07 يوليو 2025, 11:26 صباحا
محمد عقيلة العمامي

عندما وصل السيد «هاينز نوردوف» إلى مدينة (ولفزبرج) الألمانية في شهر يناير سنة 1948 كانت مخربة، مجرد أطلال، سكانها يتحركون كأشباح وسط خراب ودمار جراء تدميرها بطائرات الحلفاء، كان قلبها قبيل الحرب نابضاً بالحياة، ولكنه توقف تماماً بعد هزيمة ألمانيا، وكان من بين سكانها حوالي عشرة آلاف يعيشون في ثكنات خشبية تضيق بهم، لا يكادون يشبعون في بطونهم، بلا ثياب مناسبة تسترهم، ولم يكن هناك مكان واحد للعبادة.

كانت مهمة السيد هانز إعادة الحياة إلى مصانعها المخربة، ولكن بعد خمس سنوات فقط ارتفعت في حيز المساكن الخشبية مبانٍ سكنية حديثة من أدوار متعددة، تغرد في شرفاتها أقفاص طيور ملونة، وعلى جانبي أرصفة المدينة قامت مدارس وكنائس وساحات للفسحة تفصل الحوانيت المتنوعة، فيما تشرف المقاهي والمطاعم على ميادينها الرئيسية، ناهيك عن مستشفى كبير يتسع إلى 450 سريراً، وملعب رياضي وحمامات شعبية مغطاة للسباحة.

لقد أصبحت (ولفزبرج) مدينة حضارية رائعة، وما زالت حتى الآن تتوسع وتزدهر، كل ذلك بفضل ذلك الرجل الذي وصلهم وافتتح عدداً من المصانع لعل أشهرها مصنع لسيارات صغيرة تبدو كالخنفساء وكلها عملاقة بألوان زاهية، هي التي نعرفها باسم (الفولكسواجن) التي أصبحت «سيارة الشعب» والتي صارت ثاني أكبر منتج للسيارات في العالم، بعد تويوتا.

كانت الآلات المهمة قد أخفيت أثناء الحرب في الحقول، لحمايتها من الغارات الجوية، فبدأوا بالبحث عنها وإخراجها وصيانتها وتشغيلها. كان هدف المدير الذي أشرنا إليه، اختصار الوقت لتصنيع السيارة الواحدة، التي كانت تحتاج إلى 400 ساعة، وبالفعل اختصر الوقت وزاد الإنتاج ولم يبخل على العمال، لا بالعلاوات ولا بالأرباح ولا بالقروض، فانطلقت سيارتهم، بعد زمن قصير، تجوب شوارع العالم كافة.

زرت فيتنام مباشرة بعد ما عجزت أميركا عن البقاء فيها، كانت الزيارة بعد سنوات قليلة من استقلالها، وكنت ضمن وفد لشراء بعض من منتجاتهم تسوية لقرض منحته الحكومة الليبية لثوار فيتنام وكان المفروض أن نشترى منهم منتجات بقيمة القرض، ولم نجد شيئاً يذكر باستثناء بعض الملابس وتونة معلبة، ولا شيء يذكر في العاصمة كلها، فما زال حينها الدمار في كل مكان، والكهرباء تغيب لساعات، وحاول المسؤولون أن يقدموا لنا ما يمكن شراؤه، ولكننا غادرنا قبل موعد انتهاء الزيارة لعدم توفر ما يستحق شراءه. حدث ذلك في تسعينيات القرن الماضي.

من خمسة عشر عاماً، تعرفت على صديق ليبي مقيم بمصر، له مكتب تجاري فخم ويعمل جيداً في استيراد الكثير من الصناعات الفيتنامية، عرفت منه أن أجود بطاريات السيارات المتوفرة في السوق المصرية، بل العربية كافة، ليست الأوروبية وإنما الفيتنامية! ناهيك عن الكثير من أجهزة الكمبيوتر الحديثة، أما ماركات الملابس العالمية دون استثناء، فتصنع وتعلب هناك بأسماء هذه الماركات ولن تجد أبدا ما يدل على أنها مصنوعة في فيتنام!

مشكلة التخلف عن ركب العالم، المنطلق مع سرعة الضوء، وباختصار شديد ليس في المكان، ولكن في الإنسان لأنه هو أساس المكان فلا معنى لمكان ما بدونه، فلو فقط فكرنا أن المكان الفخم جيد التجهيز بلا الإنسان لن يقاوم مغبات الزمن، وعوامل التعرية كافة، إن تركناه أو أسكنا فيه أيا من مخلوقات الله الحية غير الإنسان، مدن كثيرة بمبانيها الفخمة وشوارعها الفسيحة وحدائقها ومستشفياتها، أصبحت أطلالا وخرابا بمجرد أن غاب عنها خليفة الله في الأرض، ألم يخبرنا القرآن الكريم، عنهم صراحة وتحديدًا في سورة البقرة. حيث يقول تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً».. نعم الإنسان هو أداة الخلق وتنفيذ الحياة التي تليق بمن أكرمه الله، فليتبارك من جعلنا خلفاءه في الأرض، ويبارك كل من يعمل، بنية أن الله خلقه ليكون خليفة له في أرضه وتحت سمائه.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»