في سبعة فصول شائقة وخاتمة قصيرة، وعدد صفحات من القطع المتوسط لا يتجاوز 232 صفحة، يقدم الباحث التونسي الشاب هيكل الحزقي قصة «الباندي التونسي» في دراسة مميّزة، تضيء جوانب عديدة من عتمات الهامش الاجتماعي في تونس.
ففي طرابلس الغرب، قبل المرحلة النفطية، كان الباندي مفردة مميّزة وواضحة في المعجم الحياتي اليومي، حاضرًا حضور البؤس والفقر والجهل والمرض.
وفي أيام صباي، كانوا يسمونهم «القبضايات» و«الرديف» و«الزُوفرية». وبمجرد أن تضعك الصدف في طريق واحد منهم، تكتشفه من ملامح وجهه، وأوشام الذراعين، ومن طريقة لباسه، وتميز مشيته بصدر مفرود. نادرًا ما تجد بينهم من يفكُّ الحروف. وأغلبهم كانوا أولاد ليل، يقضون أوقاتهم في الحانات ودور البغاء.
«الباندي»، وفقا للباحث التونسي الشاب هيكل الحزقي، كلمة ليست عربية بل وافدة. وفي رأيه، ربما تعود في أصولها إلى البحّارة الصقليين الذين كانوا يأتون بمراكبهم إلى موانئ صيد السمك في تونس. ويصفهم بأنهم كانوا سكّيرين ومقاتلين شرسين، ومثيرين للشغب والعنف. «زوافري» هي المفردة التونسية المقابلة للباندي الصقلية، وهناك مفردات أخرى عديدة إلا أنها تقصر عن وصف «الباندي»، كون «الزوافري»، كما يقول الحزقي، حُكما أخلاقيًا، اختار أبناء المدينة الأصليون (البلدية) إطلاقه على القادمين من الأرياف إليها، وأقاموا خارجها في الأرباض، بغرض تمييزهم، ووضعهم في مرتبة اجتماعية وأخلاقية أقلّ.
يتتبع المؤلف أصول المفردة تاريخيًا في القاموس الشعبي العربي، وظهورها بأسماء مختلفة في مختلف الحقب. من الصعاليك والعيّارين والشطّار والفتيان والقبضايات والفتوات، إلى الزوافري والقطعي والدوكاري (الحمّال في الميناء) والأفّاق. ويبين الفروق بين كل منهم، ويرى أن العتّالين في الميناء ربما كانوا هم من نشر ثقافة الباندية، لما كان يجمعهم من رابطة اجتماعية مهنية، وما يتميّزون به عن غيرهم من لباس وشدّة بأس، وميل إلى السُكر في الحانات بعد انقضاء دوام عملهم في الميناء، وما ينجم عن ذلك من معارك بينهم. ويوضح أن الباندية لا يقتصرون على تلك النوعية من الأشخاص المميزين بقدراتهم البدنية الهائلة، بل يمتد ليطول الأولياء، فهم أيضا «باندية»، لكن من نوع آخر، بما يقومون به من خوارق وأعمال، أضفتْ عليهم هالة أسطورية.
هيكل الحزقي يضع الاستعمار الفرنسي وراء بروز ظاهرة الباندي في تونس نتيجة استيلائه على الأراضي، وإجبار سكان الأرياف على الهجرة إلى المدن، وممارسة الاضطهاد والقمع ضدهم، وانتشار البطالة بينهم، وهي أمور ذات تأثيرات نفسية سلبية، وبالذات على قيم الرجولة في مجتمع ذكوري. ويفسّر ذلك التأثير بقوله إن الرجولة المهددة بفعل تسلط المستعمر «لها الأثر العميق في توجهات الناس وثقافاتهم وتواترات التوجهات المضادة، ومحاور الحنين والبكاء على الماضي، والتحسّر على الأبطال والأمجاد القديمة»، أي أن الباندي جاء تلبية لحاجة نفسية عميقة في قلوب المستضعفين والمضطهدين.
لذلك السبب لم يعد الباندي شخصا يعتمد على قوته البدنية في الاستحواذ على ما لدى غيره من أموال وطعام، بل تحوّل بين الناس إلى «وَليّ بلا قُبّة». صار بطلاً شعبيًا أسطوريًاً في الحومة، سخّر قوته البدنية وشجاعته في حماية أولاد وبنات الحومة، ورد الحقوق، وإنصاف المظلومين، ومعاقبة المعتدين. وحتى حين يضطر بعض الباندية إلى التعاون مع السلطة الاستعمارية مقابل إغماضها العين عن أفعالهم، يضطر الناس إلى تجاهل تلك النقيصة، ولا يأتون على ذكرها في أحاديثهم، فما يهمّ هو الحفاظ على سيرة البطل ابن حومتهم نظيفة من الشوائب. ولقاء ذلك، كان الباندية يحصلون على ما يريدون من دون الحاجة إلى دفع ثمن. أشهرهم يدعى «علي شورّب»، الذي عاش في بيت مؤجر مع أمه وأخوته ثلاثين عامًا بحومة الحلفاوين، من دون أن يدفع درهما واحدا.
الباندية ثقافة شعبية انتشرت واستوطنت الحُوم التونسية. لهم تقاليدهم، ولغتهم الخاصة ويسمونها «القجمي»، ولهم غناؤهم و«ربوخهم بالمزود»، وهواياتهم التي عرفوا بها، حيث غرموا برياضة نطح الكباش، فكان لكل باندي كبشه الخاص. كما كانوا يحبّون طيور الزينة ويقتنونها، ولذلك السبب كانوا يوصفون بـ«الريشة». وكانوا في جلسات سُكرهم الليلية يميلون إلى تأليف الأغاني التي تشتهر بأسمائهم، ولكل منهم منطقته الجغرافية التي يمتد عليها سلطانه، ويشتركون في كراهيتهم للسلطة الحاكمة، سواء الاستعمارية أو السلطة الوطنية، التي جاءت بعد خروج المستعمر الفرنسي.
دراسة هيكل الحزقي صدرت في كتاب عن دار «نشاز» التونسية عام 2024 تحت عنوان «أجواد وأوغاد»، وقصد به التفريق بين نوعين من الباندية: الأوغاد هم الآفاقون رجال الليل، ممن يشبهون قطّاع الطرق، ولا همَّ لهم سوى التعرض للناس في الأزقة المظلمة، وافتكاك بالقوة ما لديهم. أما الأجواد فهم الفئة النقيضة المسخّرة للخير والحماية ورد المظالم.
ويحرص الباحث على تخصيص فصل في آخر الدراسة للباندية من النساء بتأكيده الدور الذي كانت أمهات وأخوات وحبيبات الباندية يقمن به بين نساء الحومة من فض للخصومات، وإنصاف المظلومات، وعقاب المعتديات. كما يتعرض لنساء بانديات ممن احترفن السرقة، وقادن العصابات، وذاعت شهرتهن في طول البلاد وعرضها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات