Atwasat

هولودومور غزاوي.. حين يصبح التجويع سلاحا

فرج الترهوني الإثنين 30 يونيو 2025, 05:41 مساء
فرج الترهوني

يُخبرنا التاريخ القريب أنه في ثلاثينيات القرن العشرين، شهدت أوكرانيا إحدى أكثر الكوارث الإنسانية فظاعة في التاريخ الحديث، وتُعرف باسم «الهولودومور» (Голодомор)، وهي كلمة أوكرانية تعني «القتل بالتجويع».

وقعت هذه المجاعة بين عامي 1932 و1933، عندما كانت أوكرانيا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي تحت حكم الديكتاتور الأكثر قسوة جوزيف ستالين.

جذور هذه الكارثة تعود لسياسات ستالين الزراعية القسرية، ولا سيما سياسة «التجميع القسري» التي يتم بموجبها مصادرة الأراضي والمحاصيل من الفلاحين الأوكرانيين، وتحويلها إلى مزارع جماعية. أبدى الفلاحون الأوكران مقاومة شديدة لهذه السياسة، لكن الحكومة السوفيتية ردت بوحشية، ففرضت عليهم حصصًا تعجيزية من الحبوب والمنتجات الزراعية، ولم تسمح لهم بالاحتفاظ بأي جزء منها، لإطعام أنفسهم أو أسرهم.

في غضون شهور، بدأ الناس في أوكرانيا يموتون جوعًا بمئات الآلاف، ومع الوقت وصل العدد إلى ملايين. وتشير التقديرات إلى أن ما بين 3 و7 ملايين شخص لقوا حتفهم نتيجة الجوع. ورفضت السلطات السوفيتية الاعتراف بالمجاعة، بل منعت الإعلام الخارجي من تغطيتها، وقمعت كل من حاول الحديث عنها. الأنكأ من ذلك والأكثر شراسة أنها فرضت إجراءات تمنع الفلاحين من مغادرة مناطقهم بحثًا عن الطعام.

اليوم، يُصنَّف «الهولودومور» كجريمة إبادة جماعية في نظر العديد من المؤرخين وأغلب المؤسسات البحثية العالمية، حيث كانت المجاعة متعمّدة، ووسيلة لإخضاع الشعب الأوكراني، وكسر مقاومته السياسية والثقافية.

تجويع بالقرن الحادي والعشرين في غزة
بعد ما يقارب قرنًا من اقتراف جريمة «الهولودومور»، يشهد العالم مأساة مشابهة ولكن هذه المرة في قلب الشرق الأوسط، في قطاع غزة. فمنذ أكتوبر 2023، دخل القطاع مرحلة جديدة من العدوان الإسرائيلي، تميزت باستخدام الحصار والتجويع سلاح حرب مباشرا، حيث فرضت إسرائيل حصارًا خانقًا على القطاع، وقطعت إمدادات الغذاء والماء والدواء والوقود، في ظل دمار واسع لا مثيل له للبنية التحتية.

تعرضت مراكز توزيع المساعدات، مثل شاحنات الإغاثة ومخازن الغذاء، لهجمات متكررة من قِبل الجيش الإسرائيلي، ما أدى إلى مقتل مدنيين في أثناء محاولتهم الحصول على الطعام. ووثقت منظماتٌ دولية، بما فيها الأمم المتحدة، حالات مجاعة وسوء تغذية حاد، ولا سيما بين الأطفال، مشيرة إلى أن غزة باتت على حافة «كارثة إنسانية كاملة».

وفي مارس 2024، أعلن برنامج الأغذية العالمي أن شمال غزة يشهد أول حالة «مجاعة مؤكدة» في القرن الحادي والعشرين، بينما واجهت جهود الإغاثة عقبات هائلة، إذ تعرضت قوافل المساعدات للمنع أو الهجوم، في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني.

حين يتكرر التاريخ
على الرغم من الاختلاف في الزمان والمكان والسياق السياسي، فإن التشابه بين «الهولودومور» وما يحدث في غزة يبعث على القلق الشديد، وإن كان ليس على كل السلطات الحاكمة العربية، ويطرح تساؤلات عن أخلاقيات استخدام الغذاء سلاحا في النزاعات السياسية والعسكرية. ففي الحالتين، لم تكن المجاعة نتيجة طبيعية أو كارثة بيئية كما حدث في الصومال عامي 1992 و2010، بل هو تجويع متعمد من قِبل سلطة أمر واقع، استخدمت الجوع أداة للسيطرة والعقاب الجماعي. ستالين أراد إخضاع الأوكرانيين، بينما إسرائيل تستخدم الحصار والتجويع لإضعاف الفلسطينيين وإذلالهم وكسر إرادتهم.

في الهولودومور الأوكراني، أُغلِقت الحدود، ومُنع الفلاحون من الهروب أو الوصول إلى مناطق أكثر أمانًا، وتمت مصادرة الطعام بالقوة. وفي الهولودومور الغزاوي تمنع إسرائيل مرور شاحنات المساعدات، وتُستهدف مناطق توزيع الإغاثة، ما يؤدي إلى حالات قتل جماعية بالعشرات في كل يوم. في الحالتين لم يخلُ الأمر من إنكار وتضليل إعلامي، حيث حاولت الحكومة السوفيتية التعتيم على ما يحدث في أوكرانيا، ووصفت التقارير عن المجاعة بأنها «أكاذيب رأسمالية».

وبالمثل، تنفي إسرائيل استخدام التجويع كسياسة، وتزعم أن موت المدنيين نتيجة «أخطاء في الاستهداف» أو «استخدام حماس المدنيين دروعا بشرية»، على الرغم من التقارير الدولية الموثقة التي تناقض ذلك. وفي كلتا الحالتين، كان الضحايا في غالبيتهم من المدنيين العزل، خاصة الأطفال. والصور القادمة من غزة تذكرنا بتلك الصور الأرشيفية من أوكرانيا في الثلاثينيات: أجساد نحيلة، عيون غائرة، وأمهات عاجزات.

اختلافات السياق والدور الدولي
مع ذلك، تختلف الحالتان من حيث السياق الدولي وردود الفعل العالمية، فالهولودومور الأوكراني وقع في ظل نظام شمولي مغلق لم يكن يسمح بأي تدخل خارجي، وفي ظل غياب ثورة التقانة والاتصالات الحالية. أما في حالة غزة، فالعالم متصل، وهناك مئات الصحفيين والناشطين والمنظمات الإنسانية التي توثق وتنقل المجريات لحظة بلحظة. وعلى الرغم من توافر المعلومات وتأكيدات المؤسسات الدولية، فإن الاستجابة السياسية والإنسانية لما يحدث في غزة ما زالت محدودة، ويبدو أن ازدواجية المعايير في المواقف الدولية تلعب دورًا كبيرًا في تجاهل حجم الكارثة. إن مقارنة الهولودومور بما يحدث في غزة ليست مجرد إسقاط تاريخي، بل محاولة لفهم كيف يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه عندما تفشل الإنسانية في التعلم من مآسيها السابقة. في كلتا الحالتين، تم استخدام الجوع سلاحا صامتا لكنه فتاك، يُميت ببطء، ويكسر المجتمعات.
ربما تختلف الأنظمة والسياسات، لكن النتيجة واحدة: أناس يموتون جوعًا في عالم قادر على إطعام الجميع، وشعوب تُعاقب جماعيًا باسم الأمن والسيطرة.

ما يحدث في غزة اليوم ليس فقط كارثة إنسانية، بل وصمة عار في جبين العالم، وفي جبين العرب بالذات الذين لا يملكون إلاّ الفرجة على مأساة العصر، ولا يجرأون حتى على الخروج في تظاهرات استنكار أو تعاطف أسوة بالأوروبيين وبقية العالم. كل هذا يذكّرنا أن صمت عالمنا أمام الهولودومور لم يكن نهاية المأساة، بل مجرد بداية لتكرارها.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»