هل نخرج من النفق الليبي أخيرا؟
عتمة تأبى الانقشاع
منذ أكثر من عقد، يتأرجح الليبيون بين وهم الخلاص، وواقع الانهيار. بلد يطفو فوق بحر من الثروات، لكنه غارق حتى أذنيه في مستنقع الأزمات: حكومات متناحرة، برلمان معطل، سلاح منفلت، حدود رخوة، وواقع اجتماعي مضطرب.
الزمن في ليبيا لا يمضي نحو المستقبل، بل يدور في حلقة مفرغة، يعيد فيها إنتاج ذات المشهد بكل عبثه وتشظيه.
فهل من بصيص نور؟ وهل آن لنا أن نخطو أولى خطوات الخروج من هذا النفق المظلم؟
الأزمة السياسية الليبية لم تعد أزمة انتقال، بل أزمة وجود.
فالدولة، التي يُفترض أن تكون حاضنة لكل الليبيين، تحوّلت إلى غنيمة متنازع عليها بين قوى تتوزعها الولاءات الإقليمية والمصالح الضيقة.
برلمان عاجز عن التشريع، ومجلس دولة غارق في المناورات، وحكومتان كلتاهما ترفع شعار «الشرعية»، بينما الشرعية الحقيقية تنزف يوميا في عيون الناس، لا على الورق.
كل المبادرات التي طُرحت من الداخل والخارج، لم تتجاوز كونها صفقات ترحيل للأزمة، وليست حلولا جذرية.
فالفاعلون لا يبحثون عن دولة، بل عن موطئ قدم في السلطة. وما لم تتشكل إرادة وطنية صلبة، مستقلة عن الخارج، فلن تكون هناك دولة، بل مسرح مفتوح للفوضى.
في ليبيا، لا يمكن الحديث عن أزمة اقتصادية تقليدية، بل عن اقتصاد مخطوف.
الدولة تعتمد كليا على النفط، دون أي رؤية لتنويع مصادر الدخل. الفساد ينهش مؤسساتها، والانقسام السياسي يعمّق الاختلالات. كل حكومة تصرف من الخزانة العامة وكأنها خزنتها الخاصة، دون حسيب ولا رقيب.
البطالة تتفاقم، خاصة بين الشباب، والمواطن أصبح رهينة لصرف الدعم، ومنحة الزواج، والمرتبات المتأخرة.
القطاع الخاص شبه ميت، والقطاع المصرفي رهين تعليمات بيروقراطية، والإنتاج المحلي ضئيل أو معدوم.
وهنا، لا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أن ينجح، ما لم يُبْنَ على أساس سياسي مستقر، وعلى مفهوم وطني جديد للثروة: ثروة تكون ملكا لجميع الليبيين، لا أداة في يد النخب المتصارعة.
النسيج الاجتماعي الليبي ممزق، بفعل الحروب، والتهجير، والثأر، وانهيار الثقة بين المدن والمكونات.
القبيلة، التي كانت سندا في غياب الدولة، تحولت في بعض الأحيان إلى أداة للضغط والتجييش، أو إلى جدار عازل أمام أي مشروع وطني جامع.
أما المصالحة الوطنية، فبقيت عنوانا مكررا في مؤتمرات فاخرة، دون أن تتحقق على الأرض. لا اعتراف بالضحايا، ولا عدالة انتقالية، ولا جبر ضرر حقيقي.
ما يجري هو مجرد هدنة هشة، لا تصمد أمام أول احتكاك.
الوطن لا يُبنى بالقوة، ولا بالصمت على المظالم، بل ببناء عقد اجتماعي جديد، يعيد الثقة، ويضمن الحقوق، ويُعيد للناس شعورهم بالانتماء الحقيقي لدولة ترعاهم، لا تتاجر بهم
في غمرة الانشغال بالسلطة والسلاح، تراجعت الثقافة والتعليم إلى هامش الحياة الليبية.
المدارس متهالكة، المناهج عقيمة، المعلم مهمل، والجامعات مشلولة.
جيل كامل نشأ في ظل انقسام، وتخبط، وخطاب كراهية، وانعدام القدوة.
أما الثقافة، فقد انحسرت، وانهار دور المثقف، وتراجعت مكانة الكتاب والفن والمعرفة.
فكيف نبني وطنا دون عقل ناضج؟ كيف نواجه التطرف والجهل دون مشروع وطني ثقافي تنويري، يُعيد الاعتبار للإنسان الليبي ككائن عاقل فاعل؟
المعركة الحقيقية ليست فقط على النفط أو الحكم، بل على الوعي. فبلا وعي، ستبقى ليبيا تدور في الفراغ.
الخروج من النفق لا يتم بالصدفة، ولا بانتظار حل خارجي، بل بمشروع وطني شامل، يشمل:
دستور توافقي يؤسس لعقد اجتماعي جديد.
مصالحة وطنية شجاعة تعترف بالضحايا، وتُحقق العدالة، وتعيد اللحمة الوطنية.
انتخابات نزيهة، تفرز شرعية موحدة، تنهي الانقسام.
إصلاح اقتصادي حقيقي، يقضي على الفساد، وينهض بالقطاعات المنتجة.
تحديث للمؤسسات الأمنية والعسكرية تحت قيادة مدنية موحدة.
نهضة تعليمية وثقافية تزرع الانتماء، وتُحرر العقل من أسر الشعارات.
لسنا شعبا محكوما بالفشل، ولسنا بلدا ملعونا بالفوضى.
لكننا، شئنا أم أبينا، أمام مفترق طرق:
إما أن نُقرّ بأن الوطن أهم من الأشخاص، وأن المستقبل أهم من الثأر، ونسير نحو الدولة،
أو نظل رهائن ماضٍ لم يُصفّ، وحاضر يتآكل، ومستقبل يُسرق أمام أعيننا.
الضوء ليس بعيدا… لكنه يتطلب شجاعة، وتضحية، وإرادة.
فهل نملكها؟
أم نكتفي بالحداد الأبدي على ليبيا التي كانت يمكن أن تكون؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات