بابن سيناء والبيروني ينطلق مشروع «النور» لمواجهة الظلام، وذلك بالنبش والحفر في مسيرة الحضارة الإسلامية وصراع النور والظلام، أو صراع الجهل والعلم، أو صراع الخرافة والعقل والتجريب، تلك السيرة التي عاش فصولها علماء ومفكرون، خاضوا معاركهم الملحمية بالمعرفة والعلم، بالعقل والتجريب والممارسة، ضد جحافل الخرافات والشعوذة وجيوشها الجرارة من مشعوذين وسماسرة وغزاة.
كان مشروع النهضة العربي في القرن العشرين قد انغمس في إحياء ومناقشة التراث العربي الإسلامي «الفكري» من منظور «أيديولوجيات النهضة» الإسلامية والقومية والاشتراكية والليبرالية، فشرع كل تيار منهم في البحث والنبش فيما يناسب أطروحاته الأيديولوجية من التراث، بينما ظل المنجز العلمي التجريبي الذي أنجزه العلماء المسلمون مهملا ومنسيا، كان مشروع النهضة مشروعا سياسيا ببعد واحد، هو البعد الأيديولوجي «القومي أو الإسلامي أو الاشتراكي»، مما جعل المنجز العلمي التجريبي هامشا صغيرا في تلك الأطروحات.
سير أولئك العلماء ظلت بعيدة عن الأدب والفن، وظلت تسرد كهامش لمنجز الأيديولوجيا وليس كمتن أساسي للنهضة، ليبنى ذلك المشروع كشعارات ومبادئ عامة ومجردة، تخلو من البرامج والأدوات «العملية» التي يمكن عبرها إنجاز الأهداف وتحقيق الطموحات، كانت تنمية التفكير والبحث العلمي أحد أسس النهضة التي تم تهميشها لصالح «المجرد والغيبي» مما جعل الصراع من أجل النهضة صراع عقائد وليس صراع برامج للنهضة، لنغرق في حروب «الميتافيزيقا». منذ بدايات انهيار الإمبراطورية وحتى الآن.
سير العلماء والمفكرين المسلمين ومنجزهم العقلي والعلمي التجريبي نحتاجه الآن لإحداث نقلة معرفية في قراءة التراث والبحث عن بذور التفكير والبحث العلمي وإحياء ذلك التفكير، نحتاج منهجا لمعالجة وإيجاد الحلول العملية والعلمية لمشاكل التنمية الحقيقية التي تحقق منجزا ملموسا للناس وتخرجنا من صراعات العقائد والقبائل والطوائف إلى حوار وصراع البرامج في التعليم والصناعة والزراعة، مشروع دولة الإنجاز بدل دولة الشعار والهتاف و«الدوجما».
في سيرة النور والظلام للكاتب أحمد البخاري، وللناشر غسان الفرجاني ودار الفرجاني للنشر، نفتح سيرة العلم في تراثنا الإسلامي، وصراعه مع الأنظمة السياسية والاجتماعية والمعرفية، ذلك الصراع الذي يخوضه علماء حقيقيون يواجهون مشاكل وأزمات حياة مجتمعهم المعيشية والمعرفية بالعلم، يشتبكون بالعلم وبالأدوات العلمية مع اليومي والراهن والتاريخي، يحولون الشارع إلى معامل للتجريب العلمي وابتكار الحلول، إن العلم يسري في الشارع كما يسري «المضاد الحيوي» لأمراض المجتمع دونما شعارات ولا خطب ولا أناشيد ولا سيوف.
يتناول الكاتب أحمد البخاري سيرة «ابن سينا والبيروني» في كتابين من هذه السيرة، «سيرة النور والظلام» ولا يظهر العالمان معزولين في برامجهما العلمية بل ينغمسان «كما على العالم أن يفعل» في يوميات مجتمعهما، يخوضان المعارك اليومية والمصيرية ضد الظلام والجهل وسط الشارع وبين الناس، تتحول معارفهما العلمية والمعملية إلى وصفات لحل مشاكل الشارع، إنهم أشبه بأطباء جوالين يسعون وسط الناس، يطاردون «طفيل» الظلام القاتل للأمة والفرد.
تستهدف هذه السيرة جيلا شابا من القراء، لغرس قيم العلم ونشر نور المعرفة بين الناس، ومواجهة ظلام الجهل والتعصب الذي بعد تغلغله وترسخه في عقل الأمة صار أخطر الطفيليات التي تنهك جسد وروح أمة تتفتت وتموت، لتتناهش لحمها الطائفية والقبلية والتعصب، إنها سيرة النور، سيرة العلم والعقل، المضاد الحيوي لأمراض الظلام والجهل.
«البخاري الحديث» أو «البخاري الليبي» يكتب هذه السيرة بحرفية ممتازة، مستخدما تقنيات قصص المغامرات والقصص البوليسية، بلغة واضحة وبسيطة، يتكئ على الفعل بدل الوصف، على الممارسة بدل التنظير، يتكئ ويتناظر مع منجزات «إيكو ودان براون» وغيرهما من كتاب «مغامرات المعرفة» عبر التاريخ.
في هذه السلسلة يفتح أحمد البخاري وغسان الفرجاني لنا أبوابا في نهاية نفقنا الحضاري نحو النور، ويقدمان لنا سيرة تحققت في الماضي وقابلة للتحقق الآن، سيرة نور العلم والمعرفة، فالعلم حقا هو الحل.
يمكن لهذه السيرة أن تتحول إلى مدخل لمناهجنا التعليمية في التاريخ والعلوم، ويمكن أن تتحول إلى أعمال «إينمي» لأطفالنا وسلاسل مصورة لأطفالنا للقراءة، ويمكن أن تتحول إلى ألعاب إلكترونية، إن أفقا كبيرا ومنيرا يفتح لنا ولأجيالنا الشابة لو التفتنا ولو لبرهة عن معارك أوهامنا ونظرنا إلى الأمام بمنظار العلم والمعرفة والنور.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات