غمرني حزن شفيف فيما عرق يغسل جسدي، رغم صقيع الجو والمكان، ما هيء لي أن حمى ليلة البارحة تترع جسدي ما تداعى، حينها اجتاحتني رعدة حتى صكت أسناني: طفلة عائدة من المدرسة، نزلت من الباص قرب بيتنا، فدنا مني رجل لا أعرفه، ثم غمرني في كتره بيديه القويتين، صرخت ماما، لكن حشرجة خرجت من حنجرتي، لم أفق إلا في المستشفى، لم أعرف ما حدث البتة، لكن جرحا بات في جسدي وفي نفسي ينز، يُنكأ بجراح الأخرين.
انتشلني من غرقي وأخذ يجرني بعيدا، ثم رماني في حفرة وغطاني بجسده العجوز القوي، تذكرت ذلك وهو يمسك بيدي بقوة، حين لاحظ الحزن الذي غمرني، هذا الدفء وهذه اليد يد جدي، لذا لم أفطن أنه شكلني، وجعل من صنوه معشوقي الساعة، من في غضون أسبوع ليس إلا، انتشلني من ضياع وجودي، لا تعرفه الكتب ولا تسرده الحكايات القديمة.
غمرها ما يحدث، ولم ترِد أن تعرف، هل أنها غارقة في يم من رمال وأحداث، أم أنها تطفو في بحر رغبات تتحقق وأمان تطال، لقد تأكدت من انتشاء جسدها لحمل روحها.
لم يكن يتحدث، فيه طباع الجمل يزبد ويرغي، وهذا يذهب فيها حد أنها لم تفهم أيما شيء كما فهمته، رجلها الآن وصنو توقها، من هام أبوه طفلا في العاشرة، تغمره كثبان تلو كثبان، وهو يغوص فيها، ورصاص الطائرة الطائش، تسكبه السماء مع مواسير الشمس الحارقة الخارقة، لم يكن يدرك أنه تائه أو أن النجع تاه عنه، حين انبثق جنَ السماء الأسود، ما لم ير أحد قبل، جنَ من حديد ينفث الرصاص ويطير قرب الرؤوس، مما جعل أبيه يطلق من بندقيته العصمالية طلقات، ليقي نفسه من العجز ليس إلا. أبوه مغوار عنده، لكن لم يشاهد جنَ حديد قبل، في تيهه تبين له أن لا حامي الآن إلا الجبل، فليس له قدرة على ذاك الطوفان.
جرى إسقاط تلكم الخارقة للسماء، ولم يتبين أحد بما: هل بارود أبيه الفاعل أم رب السماء، وكما فاجأهم السقوط المفاجئ، فاجأهم ما ترتب عن السقوط، كائن كما البشر ترتب عن ركام الساقط المحترق. فجعة السقوط وفجائع ظهور جنَ الحديد وما يسكبه من نيران عليهم، لم يكن ذلكم كما فجعتهم مما انبثق لهم، ضابط بملابس عسكر إيطاليا، ما فروا منهم زاحفين على الأرض، تسقطه عليهم السماء، فجائع لا تنحسر، بل تضطرد، كأنما الأرض والسماء انحازتا إلى العدو، ما لم يشاهدوا قبل ولا مثله واجهوا.
قال إن أبيه قال له إن جده، في عجز وخوف من الحياة وليس من الموت، رفع يديه وصرخ: يا رافع السماء دون عمد، سمائك كما الأرض تسقط علينا طير أبابيل من جسد، بشر بيض حمر بشعر أشقر وعيون زرق، من فج بعيد جاءونا من بلاد إيطاليا.
وهي تسمع ما تسمع، من أزيز الطائرة، فالرصاص ينسكب خارقا جسد الصحراء من حولها، فينبثق منها نافورات صغيرة من رمل كما الدم، كذا تسمع جدها يحدثها في وجل عن أول يوم وطاء الصحراء، حين تقيأته طائرة النقل العسكرية، التي نقلته من الجزائر المدينة إلى صحراء فزان، وكادت مظلته تغدر به حين تمنعت عن الفتح.
هي الساعة تنطرح على بطنها تغرس جسدها في الرمال، كما فعل جدها منذ أكثر من نصف قرن، قال لها أن مهمته احتلال الأرض التي يحتلها العدو!، لذا انغرس في الرمل فما دافعها لتنغرس قالت لنفسها، قال أنه أخذ كمشة رمل وبها مسح وجهه ومسد أطرافه، ففي الأرض السلامة، عندئذ دست بدنها كما حية في الرمل وسكنت. ثعبان رأت ساعتها يتلوى زاحفا خائفا مبتعدا، وأرانب وجرابيع تقفز من جحورها تاركة الملاذ في هلع، رأت هاتيك الهجمة، وهي رابضة في الأرض، فالسماء ساعتها ترسل جحيمها.
كتبت ما كتبت وكأني في وادي عبقر الأسطوري، ما ذكره العرب في مأثورهم، باعتباره مسكن شياطين الشعر، ملهم الشعراء. قرأت ما كتبت باستخفاف، واعتبرته من حماقات الكتاب، حين ينفلت منهم زمام الكتابة، فما دونت لم يخطر في البال، تبين لي أنه كما رواية تنوي أن تكتب نفسها، وأني أداتها ليس إلا.
الروائي عُرف كمتشكك وكذاب، ولم أكن كذلك، فحذفت ما نمى كمشروع رواية، في دهاليز ذاكرة الكمبيوتر، ومع الأيام أخذ يطاردني مثلما خبر الفتاة الفرنسية، التي بدأتُ كما عاشق لم يلتقيها، حيث لم أحتفظ من تفاصيل الخبر، التي انتشرت عبر الإنترنت، إلا بصورة تبرز مفاتنها.
الصورة تحولت إلى تعويذة، تشدني غصبا، إلى ما حذفت في الكمبيوتر، الذي حذفت منه ملفات وأضفت إليه الكثير منها ومن الصور، لهذا ضاع مني ملف ما كتبت، ما لم أضع له أي عنوان ولا علامة. فضيعت اللبن في الكمبيوتر، واستنزفت الجهد في البحث، غدوت مثل فتاتي، ضائعا في إمبراطورية الرمال أو الكلمات، لا فرق عندي بعد أن غرقت ولا منقذ لي غيري.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات