لا يكاد يخلو مجتمع من الصراعات الاجتماعية والنزاعات السياسية، فذلك هو الأصل، والتناغم هو الاستثناء.
ولا وجود- أيضا- لدولة لا تتصادم فيها الرؤى، وتتعارض فيها المصالح، وتعلو فيها التوترات، وتنخفض؛ بحسب تنوع الظروف، واختلاف الاعتبارات.
فحتى الدول التي نراها منسجمة، فالانسجام فيها نسبي، وتداول السلطة فيها بين مختلف القوى السياسية- بناء على تغير الأغلبية- هو الذي يحافظ فيها على الاستقرار، وعلى ما يظهر من وئام اجتماعي وسياسي.
ومتى كان الأمر كذلك، فإن كل خطاب ينفي الصراع، ويدعي التوافق التام، هو إما أن يكون خطاباً استبدادياً، يحجب الاختلافات بالعنف، وإما خيالياً منفصلاً عن الواقع؛ إذ لا يمكن اختزال الناس في رأي واحد، أو في طبقة فكرية، أو سياسية واحدة.
كما أنه لا يمكن نكران وجود مجموعات وأحزاب تسلطية استبداية في حقيقتها، وتطمح للسيطرة على غيرها، وتحاول التفرد بالحكم، حتى ولو أعلنت غير ذلك.
هذه الصراعات والصدمات، وحتى النزعات السلطوية إما أن تدار بنظام مؤسساتي متين يقوم على الولاء لنظام متوازن، ومحكوم بمبدأ سيادة القانون، وتسمو فيه رمزية الدولة، وإما أن تكبح هذه الطموحات والنزوات بفرد يظهر على الكافة بالقوة، يتمكن من السيطرة، ويمارس الاستبداد، وتحل رمزيته محل رمزية الدولة، ويتولى بيد من حديد ضمان استقرار المجتمع والدولة، ويصبح هو العمود الوحيد الذي يقوم عليه البيت، فإذا سقط، سقط معه النظام، وانهار ما بُني على جرف هارٍ من المؤسسات.
صحيح أن المجتمعات تحتاج لقادة، لكن قادة، لا يعملون لأنفسهم، ولا يحتكرون الضوء، وإنما يساعدون الناس في الوصول إليه، لا يفرضون رؤية فردية، وإنما يؤسسون لدولة الدستور والقانون والمؤسسات، وما تقام عليه من تداول سلمي على السلطة، ويقطعون مع دائرة التحول من الجاني إلى الضحية، ومن الضحية إلى الجاني، وكي لا تكون يوماً ما سلطتهم وبالاً عليهم، ويعود المجتمع إلى نفس متاهة الفوضى، ويضيع كل ما أنفق من مال، وما بذل من جهد.
وبالإضافة إلى كل ذلك، من أجل أن يحفظوا كرامتهم قبل كرامة غيرهم في المستقبل، ويمنعوا تحول صورهم إلى مادة للسخرية والتهكم واللعن، فـ(نيرون) روما مُسحت تماثيله، وتحولت إلى كوميديا رومانية، و(لويس السادس عشر) أُعدم وسط هتاف شعبي صاخب، و(هتلر) تحول إلى رمز للخراب والدمار، و(موسيلني) انتهى إلى جثة مقطوعة الرأس، و(تشاوشيكو) بدل أن كان رمزا أصبح خائنا، أو على الأقل بدل أن يودع هذا الزعيم أو ذالك السجن كما كانت حال البشير أو غيره.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات