Atwasat

زنقة الريح.. مقلب الشراب

منصور بوشناف الخميس 22 مايو 2025, 01:54 مساء
منصور بوشناف

لو صادف و دخلت زنقة الريح بالمدينة القديمة بطرابلس، ملقيا خلف ظهرك بالميناء وكافي «دي روما»، وحتى مصرف ليبيا المركزي وضجيج الدولار، لو انزنقت في تلك الزنقة قبل عرض مسلسل «زنقة الريح» بجزئيه الأول والثاني، لما وجدت من كل تلك «الدراما» شيئا يذكر، لما وجدت غير الأطلال وصمت القبور، قد تقابلك أطياف بشر تعبر الزنقة، قد يصلك بعض ضجيج الدولار ونسائم البحر وروائح السمك الفاسد، أنت وسط مشهد من مسرح «اللادراما» حيث «لا شيء يحدث ولا أحد يأتي» كما يقول صمويل بيكت في مسرحية «في انتظار جودو».

ولكن ومنذ مشاهد الحلقة الأولى في «زنقة ريح، الفن» أنت تدخل مدينة، تدخل كيانا بكل تفاصيل حياته، بشعبه وثقافته، عاداته وتقاليده، مستعمريه ومواطنيه، طبقاته وأديانه، معماره ورقصه، زواياه الصوفية وفرق مالوفه، بفقهائه وسياسيه ومثقفيه والكل ينغمس مجبرا ومختارا في الصراع من أجل البقاء والوجود، صراع مع الذات وصراع مع الآخر المحلي والخارجي، ثمة حقا حياة وصراع، ثمة كيان حي وحقيقي يؤذن فيه الفن لتصحو الحياة والصراع والكيان، أن بإمكان الفن أن ينفخ روح الوجود والبقاء في أطلال ومقابر الكيان لينهض من جديد.

وماذا لو ألقت بك الأقدار في «مقلب الشراب» غير بعيد عن أجدابيا، غير بعيد عن أطلال «فاطمية» وعاصمة «أميرية سنوسية»، تحتك بحيرات النفط ومواسيره، وحولك الصمت ووجوم الأشياء وخفاء الكائنات، هناك حيث أيضا وكما في «زنقة الريح» لا شيء يحدث ولا أحد يأتي، هناك حيث مسرح «اللادراما، مسرح التوقف والوجوم»، حيث لا صوت ولا صدى، فلا يمكن للحياة أن تكون في مقلب الشراب، حيث تنقلب مياه الأمطار إن سقطت هاربة من المقلب، كما يهرب النفط والبشر باتجاه البحر، وحيث لا شيء عدا رياح القبلي والعطش، ربما عبر الفاطميون وبنو هلال وسليم عبر هذه المفازة، ربما عبر «سيدي قنانة» ربما عبر «المرزكاوي» عطشا ومنهكا من رحيل طويل وتخلص من أحمال الطبل والمزمار ضاربا كفا بكف، لاهثا باتجاه «بنغازي» والبحر، ربما عبرها «النساميون» منذ آلاف السنين بقطعانهم السرتاويه باتجاه «أوجلة» وربما عبرتها حملتهم الحربية لردم منابع «القبلي» والعطش كما يسرد هيرودوت في كتابه الليبي، ولكن وأنت ملقى هناك فلا شيء يحدث، لا أحد يعبر، لا شيء غير مرابع الفراغ والفناء.

ولكن وما إن ينصب الفن كوخ وخيمة وجوده الأول بهذه القفار حتى تنبعث الحياة ويتشكل مجتمع بكل ما في المجتمعات من مظاهر للحياة، لتبدأ ملحمة الصراع اليومي ضد الرحيل، ضد العابر كالريح، يؤسس محطة للوجود، كيان تخوم بين البحر والصحراء، بين المدينة والبادية، بين النفط واقتصاد الكفاف، بين المعنى والعبث، يتساقط الحديث والجديد على «مقلب الشراب» كدموع القبلي، من حلقة لأخرى ليتلاشى ويضيع عبثا، فلا أساس تأسس، و«المقلب» مقلب لكل جديد وإن كان دموع قبلي، النفط مواسير عابرة، والسياسيون أطياف أفاقين عابرين، والتجار والمهاجرون عابرون، لا شيء غير «هتاريش» تقاوم وتحاول ترسيخ ثقافة البقاء وزراعة قيم الحق والخير والجمال وسط هذه المفازة، ولكن الإنسان، خليفة الخالق في هذه البسيطة المعقدة، يبقى، يقاوم بتلقائية، بخفة نسمة تفتت صخرة العبث، تصارع الفناء والتلاشي، فبالفن ثمة ما يحدث وثمة من أتى، حتى صار «المقلب» كيانا حقيقيا وأقوى وجودا من أحزاب كثيرة وهيئات ومجالس للتشريع والتنفيذ، بالضبط كما فعل «زنقة الريح» بمدينة العبور الليبية.

الفن قد لا يلقي علينا دروسا مباشرة في معنى الوجود والكيان، ولكنه وكما يقول الراحل «محمد الشلطامي» يومئ للشمس بأطراف السحاب»، إن الشعر والنثر، المسرح واللوحة والمسلسل والفيلم السينمائي، يمنحنا معنى لوجودنا، يعكس هشاشتنا وتماسكنا، موتنا وبعثنا الدنيوي، سقوطنا ونهوضنا من حطام أطلال كياننا.
كل ذلك سيكون مجديا لنا لو قرأنا فنوننا في سياقها الاجتماعي، لو فتحنا أبواب نقد ثقافي ينفتح على منجزات العلوم الإنسانية، وعلى رأسها الفلسفة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»