لم يعد خافيًا على أحد أن كل الحلول المطروحة في ليبيا خلال السنوات الماضية لم تُفضِ إلى إنهاء المرحلة الانتقالية، بل ساهمت في تمديدها بصورة متكررة، وتحت مسميات مختلفة. ومنذ أكثر من 13 عامًا، تعيش الدولة الليبية في حالة انتقال دائم، دون دستور مستقر، أو سلطة موحدة منتخبة، أو قرار سيادي مكتمل.
إن الإشكالية اليوم ليست فقط في الانقسام المؤسسي أو غياب الانتخابات، بل في أمر أعمق: غياب السيادة الوطنية وافتقاد القرار السيادي. وهذا الغياب بات واضحًا في كثير من الملفات الحساسة، من السياسات الأمنية والنفطية، إلى قرارات الهجرة، والحدود، والتطبيع، بل حتى في التحكم بعوائد الأموال المجمدة في الخارج.
نحن لا نملك ترف القفز إلى انتخابات رئاسية مثالية في بيئة منقسمة ومؤسسات غير متفق عليها. بل الحقيقة الواقعية تقول إن هناك تحديًا موضوعيًا في الذهاب لانتخابات رئاسية مباشرة حاليًا، في ظل رفض أطراف أساسية، وانعدام الثقة في نتائجها، وغياب قاعدة دستورية مستقرة.
وبالتالي، فإننا أمام لحظة تتطلب خيارًا واقعيًا سياديًا لا يهرب من المرحلة الانتقالية، بل يسعى لتأطيرها بحد أدنى من الشرعية الوطنية والدولية.
ويُذكر أن الإعلان الدستوري الموقت لسنة 2011 والاتفاق السياسي لم يغلقا الباب أمام التفويض الشعبي أو التعديل السياسي التوافقي، بل أقرّا مبدأ الشرعية التوافقية كإحدى أدوات إدارة المرحلة الانتقالية، مما يمنح المسارات المقترحة أساسًا دستوريًا مرنًا .
ولدينا اليوم جسم وحيد يمكن البناء عليه، هو المجلس الرئاسي الحالي. صحيح أنه لم يُنتخب من الشعب، ولم يُمنح تفويضًا دستوريًا واضحًا، لكنه موجود ومعترف به دوليًا، ويتمتع بعلاقات خارجية متقدمة. والمطلوب ليس تغييره، بل تأطيره وتعزيزه شرعيًا بأحد المسارات التالية:
المسار الأول: تفويض شعبي غير انتخابي، سواء عبر بيانات قوى اجتماعية وشعبية، أو مظاهرات منظمة تعبّر عن دعم سياسي ووطني للمجلس الرئاسي كسلطة سيادية انتقالية.
المسار الثاني: تعديل دستوري توافقي يُقرّه مجلسا النواب والدولة، يمنح المجلس الرئاسي صلاحيات سيادية موقتة، ويضبط مهامه في إدارة الدولة والقرار الوطني.
المسار الثالث: إعلان سيادي من المجلس نفسه يتأسس على ما تحقق من دعم شعبي، ويُعلن ضمن بيان وطني بأن المجلس يمارس صلاحياته السيادية لحماية وحدة البلاد وسيادتها، إلى حين تنظيم الانتخابات.
لسنا بحاجة إلى أجسام جديدة، بل إلى قرار سيادي جديد، ينبع من الموجود فعلاً، ويُفعّل ما هو معطّل، ويضع حدًا لتسييل الدولة وتفتيت القرار.
ففي دول كثيرة، يتخذ رئيس الدولة القرار السيادي في أوقات الفراغ التشريعي، أو الانسداد السياسي، أو حتى في زمن الحرب، طالما أن القرار يصب في حفظ وحدة الدولة وسيادتها. أما نحن، فحتى هذا الحق البديهي بات مُعلّقًا، ما لم يُؤطر بشكل شرعي ومعلن.
إن المخاطر اليوم تتجاوز الداخل. فهناك - كما يتم تداوله - من يريد نقل سكان من مناطق النزاع إلى ليبيا، وهناك من يُفاوض لبيع النفط خارج أطر الدولة، ومن يطرح التطبيع السياسي أو العسكري، أو حتى التنازل عن الثروات السيادية مقابل دعم سياسي خارجي.
لهذا، فإن غياب القرار السيادي لم يعد خطرًا نظريًا، بل تهديدًا مباشرًا لمستقبل الدولة.
وهنا، لا بد من المصارحة أنه إذا لم نبنِ القرار على إرادة وطنية واقعية، ونعترف بالمجلس الرئاسي كسلطة سيادية انتقالية مؤطرة شعبيًا أو دستوريًا، فإننا سنظل عالقين في الهامش، بينما تُدار ليبيا من الخارج، وتُفرّط سيادتها في الصفقات الدولية، ويظل الشعب متفرجًا على دولته وهي تُدار بالإنابة.
إن اللحظة السياسية الراهنة تستدعي من الجميع، داخل ليبيا وخارجها، الاعتراف بأن غياب القرار السيادي بات خطرًا وجوديًا لا إجرائيًا. وما لم يُمكَّن المجلس الرئاسي من تأطير شرعي وطني يُمارس من خلاله صلاحياته كسلطة انتقالية مسؤولة، فإن الوطن سيظل عرضة للتآكل، والسيادة ستظل سلعة قابلة للمقايضة.
المطلوب ليس مؤتمرًا، بل قرارا سياديا حاسما، يتقدم به الموجود لإنهاء مرحلة التيه، لا إدارة استمرارها.
--------------- --- --------
*أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات