العنوان أعلاه عنوان كتاب صغير الحجم، صدر في العام 2017 عن الجمعية الليبية للدراسات الأمازيغية، في 125 صفحة من الحجم المتوسط، ومؤلفه الأستاذ سالم موسى مادي، أصيل مدينة يفرن، في جبل نفوسه. وهو سجين رأي سابق، قضى سنوات في سجون نظام القذافي، وناشط سياسي أمازيغي. وتعرض مؤخراً لوعكة صحية، وأدعو الله أن يمنّ عليه بالشفاء ويمتعه بالعافية، وطول العمر.
وقعت على الكتاب صدفة، في الأيام القليلة الماضية، في مكتبة الفرجاني بطرابلس والشكر موصول إلى صديقي الأستاذ موسى شاغوش، الذي لفت اهتمامي إليه.
ولا أذيع سرّاً بقولي إنني كنت على علم بمحتواه، لمعرفتي الشخصية بمؤلفه من خلال رفقتنا في السجون. وباختصار، سالم موسى مادي مدافع ومقاتل شرس عن الأمازيغيين والأمازيغية، يتخندق في موقفه بثبات منذ أن عرفته.
يروي الأستاذ سالم مادي في كتابه المذكور أعلاه واقعة حدثت له خلال فترة الاعتقال والتحقيقات، في جلسة تحقيق في نيابة أمن الثورة بطرابلس مع رئيسها آنذاك المرحوم حسن بن يونس. التحقيق حسب وصف المؤلف كان في حقيقته سجالاً بين وجهتي نظر تتعلقان بأمازيغية ليبيا وبعروبتها. يتمترس المؤلف في الخندق الأمازيغي ويدافع المرحوم بن يونس عن وجهة نظر النظام العسكري والتي تؤكد عروبة الأمازيغ، كونهم يمثلون أقدم الهجرات العربية إلى ليبيا.
خلال النقاش قال المرحوم بن يونس للمؤلف إن جَدّه كان من أدخل الإسلام إلى واحة غدامس. وفوجئ عندما سمع المؤلف يثني ويشكر الجدّ على صنيعه. فسأل المؤلف عن السبب وراء المديح الذي أسبغه على الجدّ. فرد المؤلف قائلاً إن جده نال أجراً كبيراً، كونه ساهم في دخول أهل الواحة إلى الإسلام، ولم يفرض عليهم التعريب، كما فعل غيره. وبذلك حافظ الغدامسيون بعد دخولهم الإسلام على هوّيتهم الأمازيغية، ولسانهم، وتقاليدهم.
الواقعة أعلاه تمثل المركز في فكر سالم موسى مادي، والعمود الذي ترتكز عليه دعوته. فهو، مع آخرين، يرون أن ليبيا بلد أمازيغي الهوّية، وأن جلّ القبائل الليبية أمازيغية الأصل، وتعرضت بمرور الوقت، بالترهيب والترغيب، إلى التعريب.
سالم مادي يرى أن قبول الإسلام والدخول في الدين الإسلامي لا يشترط على المسلم أن يكون عربياً. الإسلام دين الله، لكن العرب قومية أو جنس، مثل بقية القوميات والأجناس. وخلال فترة السجن، كان سالم مادي كثيراً ما يستشهد بإيران في نقاشاته. حيث كان يحرص على تذكير خصومه بأن الإيرانيين مسلمون لكنهم يتحدثون اللغة الفارسية وليس العربية، ولم يتخلوا عن هويتهم الفارسية وتقاليدهم، إلا ما خالف منها تعاليم الإسلام.
وأذكر أنني في السجن لدى لقاء جمعنا بآمر السجن في ساحة القسم الثالث، وقف سالم مادي وجهاً لوجه مع الآمر، مطالباً بالتحدث بلغته الأمازيغية مع زواره خلال الزيارات. وكانت إدارة السجن قد فرضت على السجناء الأمازيغ وزوارهم التحدث باللغة العربية. فرفض السجناء وأصروا على موقفهم، وطالبوا إدارة السجن بتوفير حراس موالين للنظام، يتحدثون اللغة الأمازيغية، للإشراف على الزيارات مع ذويهم. سالم مادي قال للآمر نحن لسنا عرباً، ولساننا ليس عربياً، فلماذا تفرض علينا الحديث بلسانكم. تسمّر الآمر في مكانه، ورد قائلاً بأن الأمازيغ عربٌ، وأن ليبيا دولة عربية. وأصرَّ على موقفه.
المسألة الأمازيغية عادت إلى السطح بعد انتفاضة فبراير 2011. وصرنا نرى العلم الأمازيغي يرفرف جنباً إلى جنب مع العلم الليبي في العديد من الأمكنة. وازداد الاهتمام باللغة والموسيقى والأغاني والثقافة الأمازيغية. وبدأت المطابع تنشر الكتب باللغة الأمازيغية.
النشطاء الأمازيغ، قبل فبراير 2011، وقعوا بين حجرى رحى: الإسلامويون والقوميون العرب. وقاد النظام السابق حملات شعواء ضد النخبة الأمازيغية، ووضعهم في السجون، وهدم بيوتهم. وكان رئيس النظام يؤكد في خطاباته على أن الأمازيغ عربٌ عاربة!
سالم مادي يتعرض في الكتاب إلى سيرة السجن، والطريق والأحداث التي قادت نحوه. ويصف بكثير من التفصيل ما حدث له ولرفاقه خلال سنوات المحنة. وكم تمنيت لو أن المؤلف اقتصر على مذكرات السجن، والتركيز على التعرض لفكر الجماعة الحزبية التي كان ينتمي لها (رابطة المغرب الاسلامي الشعبي). لأنه أحياناً كثيرة، يخوض في شؤون سياسية دولية عارضاً طروحات قد لا تجد من يتفق معه فيها. ومع ذلك يظل الكتاب جديراً بالقراءة، لكل الذين يودون الإلمام بتفاصيل تطور المسألة الأمازيغية في ليبيا، وأهم أقطابها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات