Atwasat

غزة بين مطرقة الاحتلال وسندان التواطؤ الدولي!

فرج أبوخروبة الثلاثاء 13 مايو 2025, 12:42 مساء
فرج أبوخروبة

منذ عقود طويلة، يعيش الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تحت نير الحصار والعدوان، في مشهد يتكرر بلا انقطاع، ويعيد للأذهان مآسي التاريخ في أبشع صورها. غير أن ما يجري اليوم في غزة لم يعد مجرد صراع مسلح أو مواجهة سياسية، بل تحول إلى جريمة مستمرة ضد الإنسانية، تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم، بصمت دولي مخزٍ، وتواطؤ غربي يفضح ازدواجية المعايير وانهيار المنظومة الحقوقية العالمية.

منذ بدء العدوان الأخير، لم تتوقف آلة الحرب الإسرائيلية عن قصف الأحياء السكنية والمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء والمساجد، في حملة إبادة جماعية تطال المدنيين بلا تمييز. الأرقام وحدها تصرخ: آلاف الشهداء، أغلبهم من النساء والأطفال، عشرات الآلاف من الجرحى، ومئات الآلاف من المشردين.

البنية التحتية في غزة لم تعد موجودة تقريبا؛ الكهرباء والماء والدواء والغذاء كلها صارت أحلاما بعيدة المنال في سجن كبير اسمه القطاع.

الاحتلال لم يكتفِ بالقصف الجوي، بل توغل بريا، متقدما داخل الأحياء السكنية المحاصرة، مستخدما سياسة الأرض المحروقة. يقصف ثم يدخل، يدمر ثم يحتل، وكل ذلك تحت مبرر «محاربة الإرهاب»، وهو المبرر الذي منحته إياه الآلة الدعائية الغربية، وباركته واشنطن ولندن وباريس وبرلين، في انسجامٍ تام مع خطاب الكراهية والتجريم الممنهج للشعب الفلسطيني.

ما زاد من مآسي غزة، هو الدعم السياسي والعسكري المطلق الذي يتلقاه الكيان الصهيونى من الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. واشنطن لم تكن طرفا محايدا يوما، بل شريكا فعليا في الجريمة؛ تمد الاحتلال بالأسلحة والذخائر، وتعرقل كل قرار أممي يدعو إلى وقف إطلاق النار أو التحقيق في الانتهاكات.

أما أوروبا، التي طالما تغنت بقيم العدالة وحقوق الإنسان، فقد كشفت وجهها الحقيقي، حين منعت المظاهرات المؤيدة لفلسطين، وجرمت التضامن، بل ومولت القصف عبر صفقات السلاح والدعم الاستخباراتي.

إنها الازدواجية ذاتها التي ندد بها الملايين في مختلف دول العالم: كيف يثور الغرب ويستنكر حين يُقتل طفل أوروبي، ثم يصمت حين يُباد شعب كامل في غزة؟! كيف تُفرض العقوبات على دول تُتهم بانتهاك حقوق الإنسان، بينما يُكافأ الاحتلال الإسرائيلي رغم جرائمه اليومية؟! لم يعد الصمت تواطؤا فقط، بل صار مشاركة فعلية في الدم الفلسطيني.

ما يجري في غزة لا يمكن تفسيره إلا كخرق فج وصارخ للقانون الدولي الإنساني. اتفاقيات جنيف تحرم استهداف المدنيين، وتُلزم بحماية الأطفال والنساء والمنشآت الطبية، لكن إسرائيل تنتهك هذه الاتفاقيات علنا، وتجد من يبرر لها الجرائم باسم «الحق في الدفاع عن النفس».

أي دفاع هذا الذي يقتل الأطفال في أحضان أمهاتهم، ويمحو أحياء سكنية من الوجود؟! أي قانون هذا الذي يسمح بقصف مخيمات اللاجئين؟!

لم تعد غزة مجرد عنوان للقضية الفلسطينية، بل صارت مرآة تكشف انهيار المنظومة القانونية الدولية، وتفضح نفاق المؤسسات التي تتغنى بحقوق الإنسان ولا تتحرك حين يُذبح الإنسان الفلسطيني.

في ظل هذا الواقع، لا يبدو أن هناك أفقا قريبا لتحقيق العدالة. المحكمة الجنائية الدولية، التي شنت تحقيقات سريعة في أوكرانيا، تتباطأ بشكل فج في ملف غزة. مجلس الأمن الدولي، رهينة للفيتو الأميركي، لم ينجح حتى في إصدار قرار ملزم بوقف إطلاق النار. المنظمات الحقوقية تُصدر تقارير تُحفظ في الأدراج، بينما الدم الفلسطيني يسيل في الشوارع بلا رادع ولا محاكمة.

غياب العدالة لا يعني فقط خذلان الشعب الفلسطيني، بل يُشكل سابقة خطيرة في تاريخ البشرية، تُشجع الجناة على تكرار الجرائم، وتُسهم في تقويض مفهوم القانون الدولي برمته.

ما يجري في غزة لا يخص الفلسطينيين وحدهم، بل هو قضية كل إنسان حر في هذا العالم. لأن الظلم حين يُصبح قاعدة، والقتل يُبرر، والحق يُزور، فإن العالم بأسره يصبح مهددا. غزة اليوم، ليست مجرد جغرافيا محاصرة، بل رمز للكرامة في وجه الاستكبار، وصوتٌ يقاوم كي لا يُنسى، وجرحٌ مفتوح في جسد الضمير العالمي. إن استمرار هذا العدوان يُحمل العالم مسؤولية أخلاقية وتاريخية، ويفرض على الشعوب أن تتحرك، وعلى الأحرار أن يصرخوا، وعلى الكُتاب أن يدونوا الحقيقة. لأن الصمت شراكة في الجريمة، ولأن الكلمات حين تصمت، يتوحش الرصاص.

غزة اليوم ليست بحاجة إلى بيانات شجب، بل إلى وقفة إنسانية حقيقية، تُعيد الاعتبار للعدالة، وتضع حدا لآلة القتل، وتُحاكم القتلة، وتُوقف هذا النزيف المستمر في خاصرة الإنسانية. فهل يستيقظ العالم قبل أن يُصبح كله غزة؟!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»