«إذا قمت بتعليق مسدس على الحائط، فينبغي إطلاقه، وإلا فلا تضعه هناك»: ذُكر أن تشيكوف ردد ذلك عديد المرات، وهو يوكد أنه من الخطأ تقديم وعود لا نستطيع الوفاء بها. لكن هناك من رأى أن تجاوز ذلك ممكن، إنما ذلك أيضاً يحتاج لمبرر حسب هيمنجواي.
وهذه الملاحظة من صميم البنية السردية في القصة القصيرة، قصة تشيكوف ما كانت بمثابة المعطف، النواة الأولى التي بدورها عبارة عن مثلث أضلاعه مقدمة ووسط فطلقة. وقصة أو طلقة تشيكوف مقاربة تداعت عندما قرأت «ليالي الطين» المجموعة القصصية الأولى لياسر الغبيري، من حاكها من نسج الريف، أو كما جاء أيضا في الخبر ما أشار لطباعة: «ليالي الطين» التي تضم 14 قصة، تدور في عوالم بعيدة عن ازدحام المدن، حيث يغوص الكاتب في عوالم النفس البشرية، وحكايات الإنسان في القرى والنجوع في دلتا وصعيد مصر.
مفتتح «ليالي الطين» «سعيكم مشكور» قصة المفارقة أو طلقة تشيكوف، ما نسجت بتؤدة حول رسائل تحوي نصوصاً، يبعثها «علي» بإصرار ومواظبة لمدة خمس عشرة سنة إلى مجلة «زهرة الخليج»، التي حرص على اقتناء عددها الأسبوعي، خلال تلك السنوات الطويلة «لعله يطالع اسمه وصورته على صفحات المجلة في باب مواهب شابة، أو إبداعات جديدة».
والبنية السردية تنسج بتصعيد محكم في «سعيكم مشكور» حول بؤرة السرد: الرسائل، منذ الجملة الأولى حتى الطلقة المفارقة، فالرسائل التي من المفترض تصل المرسل إليه وجدت مرمية في مخلفات البريد.
هكذا مفارقة حولها الكاتب إلى لحظة تهكم وسخرية، فأبناء عمومة علي يقدمون له العزاء وهو يرد عليهم: سعيكم مشكور. إنها القصة القصيرة التي تستوفي شروطها، ولعل هذا مما دفع بها لأن تكون القصة الأولى في المجموعة، وهذه القصة تعيد إحياء «البوسطجي» ودوره، خاصة في الريف الذي لم يعد فيه بوسطجي، لكن «ليالي الطين» كمجموعة، كما أن مكانها خارج المدينة وإيقاعها، فإن زمانها أيضا الماضي وأحداثه المضطربة والمطردة، وهذا مما يمكن تأويله أن خارج المدينة، الريف والنجوع والصعيد تعيش في حاضرها، الماضي.
القصة القصيرة تبدو كما الخط المستقيم أقصر الطرق بين نقطتين، هذا ما تشي به هذه المجموعة، التي سياقها السردي حريص على البنية السردية للقصة القصيرة، كما نسجها روادها، فالكاتب «ياسر الغبيري» خلال أربع عشرة قصة ينسج على نفس المنوال. وحتى إن الختام/الطلقة يجيء في الغالب كمفارقة، التي كما أشرنا إليها في القصة الأولى للمجموعة، ما نسجت على السياق التشيكوفي، أي أنها الوعد الذي تم الإيفاء به.
وفي القصة الثانية «غواية» لا يعدنا بشيء، لكن المفارقة في القصة: قتل الأب لابنه، وفي صورة غرائبية!، ثم البرود الذي اجتاح شخصية الأب!، كلاهما لا سياق له، ويسقط فجأءة دون أي مقدمات «أغواه شيطانه للانتقام من مطلقته بدفن طفله في برميل بلاستيكي، حفر له في أرضية المنزل، ووضع الصغير بداخله وصب على جسده الخرسانة، وسوى به الأرض، وترك البلدة مسافرا إلى حيث يقيم».
قد يقول القائل إن القصة مشحونة بالعنف الريفي الاعتيادي في العلاقة بين الرجل والمرأة، لكن هذا التأويل المتطرف، أيضا لا يبرر هذه الطلقة التي لا مسدس لها في السياق السردي، السياق ما شكلته البنية السردية للقصة القصيرة والتي على أسها أنشأ الكاتب مجموعته القصصية، كما اتضح لنا ووضحناه.
«وقف الناس حولها في صمت مريب، لم يقترب أحد مواسياً أو مهدئاً، إلا امرأة تحركت حركة آلية في ثبات، إلى أن وقفت خلفها، صفعتها على خدها من الخلف بقوة، ورددت في أذنها بصوت هامس لم يسمعه أحد سواها: «أفيقي أيتها الساقطة، الآن عرفتي أن الولد غال؟». هذا مما جاء في القصة التي اتخذت ذات المجموعة اسمها منها «ليالي الطين»، المجموعة المشحونة بالفجائع التي زمانها كما ليل صلد ومكانها الطين، هذه الرؤية ما يحكم ترابطها كمجموعة، وما يمكن أن نراه مبررا للسياق السردي الذي حاكها في نسيج واحد.
وفي «ليالي الطين» القصة، الشخصية الرئيسة «قمر» التي تهيمن على مدخل بل وكل القصة، وأما المدخل فهو المفارقة أو الطلقة حيث تفجع «قمر» في موت مجاني لابنها الوحيد، ما يأتي في إطار التأويل كما عقاب لـ«قمر» التي يتملكها جسدها الشيطاني!، وجعل الخاتمة في المقدمة تكنيكا مميزا في المجموعة، حيث حول القصة لفلاش باك فجعل الأحداث تدور حول شخصية «قمر»، التي نسج حولها حشد من الأحداث والشخصيات من لزوم ما لا يلزم، لكن رغم ذلك كان السرد سلساً ومشوقاً من حيث تداعي السياق السردي.
لقد تناولت ثلاث قصص من أربع عشرة، وأشرت إلى أنه من دوافع ذلك، أن البنية السردية التشيكوفية في «ليالي الطين» نسجت السياق السردي لمجمل المجموعة، وأشرت أيضا إلى أن هذه المقاربة النقدية تداعت عندما قرأت «ليالي الطين» المجموعة القصصية الأولى لياسر الغبيري، وكونها المجموعة الأولى، دفعني إلى قراءتها ومراجعتها ضمن نظرة العمل الأول للكاتب، ما كنت قد كتبت فيه ضمن الممارسة النقدية التطبيقية في الرواية الأولى: الرواية الأولى كما الأنثروبولوجيا السردية، حيث يعتبر العديد من علماء الأنثروبولوجيا، ومنهم (جريجوري ريك): «أن البشر حيوانات تخلق القصص وتروي القصص»، وهكذا الرواية الأولى مسرود في الغالب بضمير المتكلم، يتغيا قول كل شيء، يسرد سيرة كاتبه، بمعنى أن السارد، حتى ولو كاتب خيال علمي، يغرف من سيرته/ جرابه.
ودون أي قصد يحشد معارفه ويخوض في سرديته بكل عنفوان، فإن تمكن من سردية النص في الرواية الأولى، وبرع في السباحة فإنه كما السباح لأول مرة، من يرمي بنفسه في اليم، حتى ولو تلقى دروسا في السرد، فإن العوم لا تشفعه الدروس كثيرا، لكن شفيعه أن الإنسان حيوان سارد، ومن ذا فإن سرد القصص له جذور عميقة في طبيعتنا البشرية، ريكور فيلسوف السردية يؤكد أن السرد يكمن في كل منطوق البشر. هذه الطبيعة السردية للبشر، ما تسهل على الكاتب خلق الرواية الأولى، مكمن هوية الرواية الأولى بأنها حجر الأساس، ما فيه يتجلى الكاتب بذاته القريبة من النبع».
كذلك «ليالي الطين» المجموعة الأولى لياسر الغبيري، فيها ما يؤمي بالعلاقة الحميمة بين القاص وعوالمه السردية، وهذا ما أنتج تدفقا أسلوبيا مميزا، تظهر حميميته أنه في مقام انسيابية القريب من النبع.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات