سنة 1930 باشرت بعثة بريطانية، من (متروبوليتان) للفنون، التنقيب في كنوز آثار مصر الفرعونية؛ في قبر أميرة فرعونية اسمها (أنتيو - ني) وهي ابنة الفرعون (بانيو أوجيم ) وهو شخصية، قياسا لبقية الفراعنة، غير معروف كثيرا؛ بجوارها عثروا على (كتاب الموتى)، الذي يبين برامج حياتها القادمة بعد دفنها!.
قد يبدو لغير المختصين وجود كتاب مع الميت في ذلك الزمن خبرا عاديا، ولكن لو عرفنا، أنه قبل هذا الكشف، كان الفراعنة منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد يدفنون مع الميت لوازمه اليومية من مأكل وملبس وأدوات، معتقدين أنه يحتاجها في حياته الأخرى، لفهمنا تطورا واضحا في المعتقد، وبالتحديد الحياة من بعد البعث؛ إذ لم يعد المعتقد أن الميت سوف يصحو ويباشر حياته مثلما كانت في الدنيا قبل أن يموت، فلقد دفنت الأميرة ( أنتيو – ني) حوالي ألف عام قبل الميلاد، حينها بدأت طقوس الدفن والرحيل تختلف عما كانت من قبل:
مع (توت عنخ آمون) وجد البحاث كل ما قد يحتاجه من الأثاث اللائق به في قبره، وهذا ما فتح أعين اللصوص نحو سرقته، وكان سببا في تفكير المصريين القدماء لإيجاد بديل يوفي بالغرض ولا يجذب أطماع اللصوص، وهكذا استبدلت المقتنيات الثمينة بكتاب الموتى لتتعلم منه الأميرة ما يجعلها تواجه الإله (أوزيريس) وهو كبير الآلهة.
«كتاب الموتى» باختصار شديد، هو وثيقة طولها خمسة أمتار ونصف وعرضها 60 سم يصور أول محاكمة الميت، التي تفترض حدوثها من بعد بعثه من جديد، يصف الأميرة الرشيقة، ممسكة بيدها آلة موسيقية وأمام مبخرة، ثم تدخل روحها أمام ( 42 ) قاضيا، تخاطب كلا منهم باسمه، مؤكدة له أنها بريئة، وأنها لم ترتكب في حياتها أيا من معاصي الدنيا، وهي ( 24) معصية، أخطرها إنها لم تتسبب في مصرع أي إنسان! والتي تليها إثم أخطر المعاصي! التي لها قاضٍ خاصٍ يحكم أنه لم تكن (حمّاقة!) أي لا تثور أو تغضب! وباختصار شديد يتعين عليها أن تفند ارتكابها لأربع وعشرين خطيئة!
أما الفصل الثاني من كتاب الموتى تتقدم الأميرة نحو قاعة «أوزيريس » ليحاكم قلبها وعينها وفمها! وتلك أكبر محنة يواجهها الميت، إذ يوضع قلبها في كفة ميزان وفي الكفة الأخرى ريشة! وإن كانت كفة الريشة صالح غلبت كفة قلبها يحكم عليها بالفناء!.
ولعل هذه الإرهاصات المبكرة هي التي جعلتني أعود إلى قراءة سابقة عن أول ديانة توحيدية مذكورة في التاريخ، وهي التي قد تكون تأسست على ما ذكر في كتاب الموتى، والتي عثر عليها علماء الآثار في مدينة أخناتون المفقودة تحت الأنقاض، لم يكن أحد على علم بهذه الديانة.
ووجد العلماء أيضًا في موقع المدينة الأثرية نقوشًا وتماثيل خلابة تشتمل على تماثيل نصفية لأخناتون نفسه، وهو الذي اعْتُبِر إله الشمس، التي اعتبرت رمز الإله الواحد الذي لا شريك له، والذي أتُخذ له شكل قرص الشمس، بأشعتها التي تنتهي بأيد بشرية، لتمنح الحياة والرخاء للأسرة الملكية، وهكذا اعتبر( إخناتون) موحد الديانات، بمعنى أنها بداية التوحيدـ فاتخذ مكانته الأولى، كأحد الأرباب المصرية.
بقي أن نعرف أن إخناتون؛ كان فرعونا من الأسرة الثامنة عشرة حكم مصر لمدة 17 عاماً وتوفي ربمَّا في 1336 ق. م أو 1334 ق.م أي بعدما كتب كتاب الموتى بحوالي 1700 عام، ولعله من المفيد أن نشير إلى أنه ثمة آراء تقول، إن (يوسف الصديق) ظهر في عصر إخناتون.
ما أريد الوصول إليه هو أن كتاب الموتى له أهمية أساسها أن الدين لله، وأن الإنسان تلمس طريقة مبكرا إلى أن بان دين الحق، وأخبرنا الكثير مما تعجب الناس منه، ثم أكدته الاكتشافات الأثرية الموغلة في القدم، ولا تزال الكشوفات تنير طريق وصولنا ومعرفتنا وإيماننا بدين الحق الذي اختتم به تسلسل الديانات.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات