Atwasat

مجهول السبب

صالح الحاراتي الأحد 11 مايو 2025, 11:44 صباحا
صالح الحاراتي

مجهول السبب أو المنشأ وبالإنجليزية: (Idiopathic) لفظ يشير إلى وصف يستخدم غالباً في مجال الطب، ويعني مرضاً أو حالة غير معروفة الأسباب، إذ في بعض الحالات الطبية، هناك من الأمراض مفهومة السبب، ولكن في نسبة معينة من الأمراض لا تكون الأسباب متميزة أو واضحة بسهولة، ففي هذه الحالات يُقال أن أصل الحالة مجهولة السبب.

ولا زلت أذكر أن لهذه الكلمة ذكرى وموقفاً حدث معى عندما كنت طالباً في كلية الطب .. وبينما ننصت لشرح الدكتور المدرس وهو يتناول فيه مرضاً معيناً ثم يشاركنا معه ويحفز تفكيرنا بالسؤال عن توقعاتنا لأسباب ذلك المرض، فمنا من يقول فيروس ومنا من يقول بكتيريا وآخر يقول خلل في الجهاز المناعي وهكذا.. وكان يرد علينا بكلمة (ممكن)!! وعندما يرمقني بنظرة تساؤل كنت أجيب وأقول له «idiopathic».. فيقول لي «برافو»، كانت إجابتي نوعاً من التذاكي واستناداً إلى احتمالات، أقولها وأنا أبتسم فيرد بابتسامة عريضة ويقول نعم مثل كثير من الأشياء في الحياة، لا زالت بعض الأمراض مجهولة السبب .. ويكمل قائلاً: هذه الإجابة ليست من باب التسليم وقفل الباب أمام محاولة اكتشاف السبب وإنما في جوهرها هي دعوة ودافع لأهل الاختصاص للبحث الدؤوب لأجل اكتشاف السبب، لأن البحث العلمي يعتبر أهم أداة لمعرفة حقائق الكون والإنسان والحياة.

فعلم المسببات أو علم مسببات الأمراض (بالإنجليزية: Etiology)‏ هو دراسة السببية أو النشأة. وبشكل أكثر شمولاً، فإن علم المسببات هو دراسة الأسباب أو الأصول أو الأسباب الكامنة وراء الطريقة التي توجد بها الأشياء، أو الطريقة التي تعمل بها، أو يمكن أن تشير إلى الأسباب نفسها.

ما أورد هذا «الأيديوباتك» في عقلي هو كثرة وتداخل أسباب ما نحن فيه من أزمات وتخلف حتى يبدو للبعض أن سبب الحال الذي نحن عليه «مجهول السبب»؛ ويجري اللجوء إلى الغيب لتبرير الواقع، كأن يقول أحدهم هذا غضب من الله وآخر يقول هذه البلاد «دعا عليها ولي صالح»، وهكذا على الرغم من أن الواقع يشهد بأن هناك بعض المحاولات التي تبذل للبحث في الأسباب، وهي برأيي متداخلة، ومزيج من أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافة سائدة، وغير ذلك وليست مجهولة السبب.. ولكن نظراً لخاصية الكسل العقلي والبخل المعرفي التي تقتات على عقولنا فنكتفي بالقول السائد عندما يغشانا أي مصاب نذهب إلى التبريرات الغيبية.

تعودنا عند خسارة أي حرب سياسية أو عسكرية أن نقول تبريراً.. إنه الابتلاء!! وآخرون يقولون إنها الخيانة والإمبريالية والمؤامرة.. إنها «انغماسية التبرير» اللعينة، حيث يتناسى الجميع العودة للبحث عن الأسباب ومكمن الأخطاء حتى لا تتكرر مرة أخرى.

نتناسى أن البحث العلمي تتمثل أهميته في إثبات الحقائق وتفسيرها، فهو جهد ومثابرة لجمع المعلومات والتفاصيل التي تنفي شكوكنا، وتثبت الحقيقة العلمية التي نبحث عنها، وإبراز ضرورة الإدراك الصحيح لموضوع البحث، وتقديري أن الخطأ لدينا يكمن في توهم أننا نملك الإجابات الجاهزة قبل الشروع في البحث عن الأسباب ولعل هذا هو السبب في أن عالمنا لا زال غامضاً وغير مفهوم، لأننا نرتاح إلى الإجابات النهائية على كل شيء مجهول السبب، ولذا لن نصل إلى الأسباب، بينما عند مجتمعات أخرى لا يتوقفون عن البحث عن السبب حتى الوصول إلى نتيجة إيجابية معقولة بفضل المثابرة وجدية البحث العلمي، أما عندنا فلا نكلف أنفسنا كل ذلك العناء.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»